كتاب الاختيارات الفقهية لشيخ الإسلام ابن تيمية لدى تلاميذه (اسم الجزء: 1)
باطلًا، ويلزم بعوض ما أنفق المرتهن.
وإن قيل للمرتهن: لا رجوع لك = كان في ذلك إضرار به، ولم تسمح نفسه بالنفقة على الحيوان، فكان ما جاءت به الشريعة هو الغاية التي ما فوقها في العدل والحكمة والمصلحة شيء يختار.
فإن قيل: ففي هذا أن من أدى عن غيره واجبا فإنه يرجع ببدله، وهذا خلاف القياس، فإنه إلزام له بما لم يلتزمه، ومعاوضة لم يرض بها.
قيل: وهذا أيضًا محض القياس والعدل والمصلحة وموجب الكتاب، ومذهب أهل المدينة وفقهاء الحديث -أهل بلدته، وأهل سنته- فلو أدى عنه دينه، أو أنفق على من تلزمه نفقته، أو افتداه من الأسر، ولم ينو التبرع = فله الرجوع، وبعض أصحاب أحمد: فرق بين قضاء الدين، ونفقة القريب، فجوَّز الرجوع في الدين دون نفقة القريب، قال: لأنها لا تصير دينًا، قال شيخنا: والصواب التسوية بين الجميع، والمحققون من أصحابه: سووا بينهما، ولو افتداه من الأسر: كان له مطالبته بالفداء، وليس ذلك دينا عليه.
والقرآن يدل على هذا القول، فإن الله تعالى قال: {فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} [الطلاق: 6] فأمر بإيتاء الأجر بمجرد الإرضاع، ولم يشترط عقدا ولا إذن الأب، وكذلك قوله: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَينِ كَامِلَينِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة: 233] فأوجب ذلك عليه، ولم يشترط عقدا ولا إذنا، ونفقة الحيوان واجبة على مالكه، والمستأجر والمرتهن له فيه حق، فإذا أنفق عليه النفقة الواجبة على ربه = كان أحق بالرجوع من الإنفاق على ولده.