كتاب الاختيارات الفقهية لشيخ الإسلام ابن تيمية لدى تلاميذه (اسم الجزء: 1)

قيل: إن كان لم يقبض منهم العوض لم يقض له به باتفاق الأمة، وإن كان قبض لم يطب له أكله، ولم يملكه بذلك، والجمهور يقولون: يرده عليهم، لأنَّه قبضه قبضا فاسدا، وهذا فيه روايتان منصوصتان عن الإمام أحمد: إحداهما: أنَّه يرده عليهم؛ والثانية: لا يأكله ولا يرده، بل يتصدق به.
قال شيخنا: وأصح الروايتين أنَّه لا يرده عليه، ولا يباح للآخذ، ويصرف في مصالح المسلمين، كما نص عليه أحمد في أجرة حمال الخمر.
ومن ظن أنَّها ترد على الباذل المستأجر، لأنها مقبوضة بعقد فاسد، فيجب ردها عليه كالمقبوض بعقد الرِّبَا ونحوه من العقود الفاسدة، قيل له: المقبوض بالعقد الفاسد يجب فيه التراد من الجانبين، فيرد كل منهما على الآخر ما قبضه منه كما في عقود الرِّبَا، وهذا عند من يقول: المقبوض بالعقد الفاسد لا يملك، فأما إذا تلف المعوّض عند القابض وتعذر رده فلا يقضى له بالعوض الذي بذله، ويجمع له بين العوض والمعوض، فإن الزاني واللائط ومستمع الغناء والنوح قد بذلوا هذا المال عن طيب نفوسهم، واستوفوا عوضه المحرم، وليس التحريم الذي فيه لحقِّهم، وإنَّما هو لحقِّ الله، وقد فاتت هذه المنفعة بالقبض، والأصول تقتضي أنَّه إذا رد أحد العوضين يرد الآخر، فإذا تعذر على المستأجر رد المنفعة لم يرد عليه المال الذي بذله في استيفائها، وأيضًا فإن هذا الذي استوفيت منفعته عليه ضرر في أخذ منفعته وعوضها جميعا، بخلاف ما لو كان العوض خنزيرا أو ميتة فإن ذلك لا ضرر عليه في فواته، فإنه لو كان باقيا أتلفناه عليه، ومنفعة الغناء والنوح لو لم تفت لتوفرت عليه، بحيث يتمكن من صرفها في أمر آخر، أعني: القوة التي عمل بها.

الصفحة 566