كتاب لسان العرب (اسم الجزء: 14)

أَغَدْواً واعَدَ الحَيّ الزِّيالا، ... وشَوْقاً لَا يُبَالِي العَيْنَ بَالا
وبِلاءً ومُبَالاةً وَلَمْ أُبَالِ وَلَمْ أُبَلْ، عَلَى الْقَصْرِ. وَفِي الْحَدِيثِ:
وتَبْقَى حُثالَةٌ لَا يُبَالِيهمُ اللهُ بَالَةً
، وَفِي رِوَايَةٍ:
لَا يُبَالِي بِهِمْ بَالَةً
أَي لَا يَرْفَعُ لَهُمْ قَدْرًا وَلَا يُقِيمُ لَهُمْ وَزْنًا، وأَصل بَالَةً بَالِيَةً مِثْلَ عَافَاهُ عَافِيَةً، فَحَذَفُوا الْيَاءَ مِنْهَا تَخْفِيفًا كَمَا حَذَفُوا مِنْ لَمْ أُبَلْ. يُقَالُ: مَا بَالَيْته وَمَا بَالَيْت بِهِ أَي لَمْ أَكترث بِهِ. وَفِي الْحَدِيثِ:
هَؤُلَاءِ فِي الْجَنَّةِ وَلَا أُبَالِي وَهَؤُلَاءِ فِي النَّارِ وَلَا أُبَالِي
؛ وَحَكَى الأَزهري عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ: أَن مَعْنَاهُ لَا أَكره. وَفِي حَدِيثِ
ابْنِ عَبَّاسٍ: مَا أُبَالِيه بَالَةً. وَحَدِيثُ الرَّجُلِ مَعَ عَمَله وأَهلِه ومالِهِ قَالَ: هُوَ أَقَلُّهم بِهِ بَالَةً
أَي مُبَالَاةً. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: فَإِذَا قَالُوا لَمْ أُبَلْ حَذَفُوا الأَلف تَخْفِيفًا لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ كَمَا حَذَفُوا الْيَاءَ مِنْ قَوْلِهِمْ لَا أَدْر، كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ بِالْمَصْدَرِ فَيَقُولُونَ مَا أُبَالِيه بَالَةً، والأَصل فِيهِ بَالِيَةً. قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: لَمْ يُحْذَفِ الأَلف مِنْ قَوْلِهِمْ لَمْ أُبَل تَخْفِيفًا، وَإِنَّمَا حُذِفَتْ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ. ابْنُ سِيدَهْ: قَالَ سِيبَوَيْهِ وسأَلت الْخَلِيلَ عَنْ قَوْلِهِمْ لَمْ أُبَلْ فَقَالَ: هِيَ مِنْ بَالَيْتُ، وَلَكِنَّهُمْ لَمَّا أَسكنوا اللَّامَ حَذَفُوا الأَلف لِئَلَّا يَلْتَقِيَ سَاكِنَانِ، وَإِنَّمَا فَعَلُوا ذَلِكَ بِالْجَزْمِ لأَنه مَوْضِعُ حَذْفٍ، فَلَمَّا حَذَفُوا الْيَاءَ الَّتِي هِيَ مِنْ نَفْسِ الْحَرْفِ بَعْدَ اللَّامِ صَارَتْ عِنْدَهُمْ بِمَنْزِلَةِ نُونِ يَكُنْ حَيْثُ أُسكنت، فَإِسْكَانُ اللَّامِ هُنَا بِمَنْزِلَةِ حَذْفِ النُّونِ مِنْ يَكُنْ، وَإِنَّمَا فَعَلُوا هَذَا بِهَذَيْنِ حَيْثُ كَثُرَ فِي كَلَامِهِمْ حَذْفُ النُّونِ وَالْحَرَكَاتِ، وَذَلِكَ نَحْوُ مُذْ وُلِدَ وَقَدْ عُلِمَ، وَإِنَّمَا الأَصل مُنْذُ وَلِدْنَ وَقَدْ عَلِمَ، وَهَذَا مِنَ الشَّوَاذِّ وَلَيْسَ مِمَّا يُقَاسُ عَلَيْهِ وَيَطَّرِدُ، وَزَعَمَ أَن نَاسًا مِنَ الْعَرَبِ يَقُولُونَ لَمْ أُبَلِهِ، لَا يَزِيدُونَ عَلَى حَذْفِ الأَلف كَمَا حَذَفُوا عُلَبِطاً، حَيْثُ كَثُرَ الْحَذْفُ فِي كَلَامِهِمْ كَمَا حَذَفُوا أَلف احمَرَّ وأَلف عُلَبِطٍ وَوَاوَ غَدٍ، وَكَذَلِكَ فَعَلُوا بِقَوْلِهِمْ بَلِيَّة كأَنها بَالِيَةٌ بِمَنْزِلَةِ الْعَافِيَةِ، وَلَمْ يَحْذِفُوا لَا أُبَالِي لأَن الْحَذْفَ لَا يَقْوَى هُنَا وَلَا يَلْزَمُهُ حَذْفٌ، كَمَا أَنهم إِذَا قَالُوا لَمْ يَكُنِ الرَّجُلُ فَكَانَتْ فِي مَوْضِعِ تَحَرُّكٍ لَمْ تُحْذَفْ، وَجَعَلُوا الأَلف تَثْبُتُ مَعَ الْحَرَكَةِ، أَلا تَرَى أَنها لَا تُحْذَفُ فِي أُبالي فِي غَيْرِ مَوْضِعِ الْجَزْمِ، وَإِنَّمَا تُحْذَفُ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي تُحْذَفُ مِنْهُ الْحَرَكَةُ؟ وَهُوَ بِذِي بِلِّيٍّ وبَلَّى وبُلَّى وبِلَّى وبَلِيٍّ وبِلِيَّانٍ وبَلَيانٍ، بِفَتْحِ الْبَاءِ وَاللَّامِ إِذَا بَعُدَ عَنْكَ حَتَّى لَا تَعْرِفَ مَوْضِعَهُ. وَقَالَ ابْنُ جِنِّي: قَوْلُهُمْ أَتى عَلَى ذِي بِلِيَّانَ غَيْرُ مَصْرُوفٍ وَهُوَ عَلَمُ الْبُعْدِ. وَفِي حَدِيثِ
خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ: أَنه قَالَ إِنَّ عُمَرَ اسْتَعْمَلَنِي عَلَى الشَّامِ وَهُوَ لَهُ مُهِمٌّ، فَلَمَّا أَلْقَى الشامُ بَوانِيَهُ وَصَارَ ثَنِيَّهُ «3». عَزَلَنِي وَاسْتَعْمَلَ غَيْرِي، فَقَالَ رَجُلٌ: هَذَا وَاللَّهِ الفِتْنةُ؛ فَقَالَ خَالِدٌ: أَما وابنُ الْخَطَّابِ حيٌّ فَلَا، وَلَكِنَّ ذَاكَ إِذَا كَانَ النَّاسُ بِذِي بِلِّيٍّ وذِي بَلَّى
؛ قَوْلُهُ:
أَلْقَى الشامُ بَوَانِيَهُ وَصَارَ ثَنِيَّهُ
أَي قَرَّ قَرارُهُ واطْمَأَنَّ أَمرُه،. وأَما قَوْلُهُ إِذَا كَانَ النَّاسُ بِذِي بِلِّيٍّ فَإِنَّ أَبا عُبَيْدٍ قَالَ: أَراد تَفَرُّقَ النَّاسِ وأَن يَكُونُوا طَوَائِفَ وَفِرَقًا مِنْ غَيْرِ إِمَامٍ يَجْمَعُهُمْ، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَنْ بَعُدَ عَنْكَ حَتَّى لَا تَعْرِفَ مَوْضِعَهُ فَهُوَ بِذِي بِلِّيٍّ، وَهُوَ مِنْ بَلَّ فِي الأَرض إِذَا ذَهَبَ، أَراد ضَيَاعَ أُمور النَّاسِ بَعْدَهُ، وَفِيهِ لُغَةٌ أُخرى: بِذِي بِلِّيان؛ قَالَ: وَكَانَ الْكِسَائِيُّ يُنْشِدُ هَذَا الْبَيْتَ فِي رَجُلٍ يُطِيلُ النَّوْمَ:
تَنامُ ويَذْهبُ الأَقْوامُ حَتَّى ... يُقالَ: أَتَوْا على ذي بِلِّيانِ
يَعْنِي أَنه أَطال النَّوْمَ وَمَضَى أَصحابه فِي سَفَرِهِمْ حتى
__________
(3). قوله [وصار ثنيه] كذا بالأصل

الصفحة 87

Back to Main
Last Page
Next Page
Previous Page
First Page
Download as PDF
Show as text