كتاب جمع الجوامع المعروف بـ «الجامع الكبير» (اسم الجزء: 14)

لِرَبِّكَ إِذَا سَأَلَكَ عَنِ اسْتِخْلَافِكَ عُمَرَ عَلَيْنَا، وَقَدْ تَرَى غِلْظَتَهُ؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَجْلِسُونِى، أَبِاللهِ تُخَوِّفُونِى؟ خَابَ مَنْ تَزَوَّد مِنْ أَمْرِكُمْ بظُلْمٍ، أَقُولُ: اللَّهُمَّ اسْتَخْلَفْتُ عَلَيْهِمْ خَيْرَ أَهْلِكَ، أَبْلِغْ عنِّى مَا قُلْتُ لَكَ مَنْ وَرَاءَكَ، ثُمَّ اضْطَجَعَ وَدَعَا عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ فَقَالْ: اكْتُبْ "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ"، هَذَا مَا عَهِدَ أَبُو بَكْرٍ بنِ أَبِى قُحَافَة، فِى آخِرِ عَهْدِهِ بِالدُّنْيَا خَارِجًا مِنْهَا، وَعِنْدَ أَوَّلِ عَهْدِهِ بالآخِرَةِ دَاخِلًا فِيهَا حَيْتُ يُؤْمِنُ الكَافِرُ ويُوقِنُ الفَاجِرُ، ويَصْدُقُ الْكَاذِبُ، إِنِّى اسْتَخْلَفْتُ عَلَيْكُمْ بَعْدِى عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا، وَإِنِّى لَمْ آلُ الله وَرَسُولَهُ وَدِينَهُ وَنَفْسِى وَإِيَّاكُمْ خَيْرًا، قَالَ: (فَإِنْ) عَدَلَ فَذَلِكَ ظَنِّى بِهِ وَعِلْمِى فِيهِ، وَإِنْ بَدَّلَ فلِكُلِّ امْرِئٍ مَا اكْتَسَبَ، وَالْخَيْرَ أَرَدْتُ، ولَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ، "وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ" وَالسَّلَامُ عَلَيْكُمْ ورَحْمَةُ الله، ثُمَّ أمَرَ بِالْكِتَابِ فَخَتَمَهُ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَمَّا أَمْلَى أَبُو بَكْرٍ (صَدْرَ هَذَا) الْكِتَابِ: بَقِىَ ذكْرُ عُمَرَ فَذُهِبَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يُسَمِّىَ أَحَدًا، فَكَتَبَ أَنِّى قَدِ اسْثَخْلَفْتُ عَلَيْكُمْ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، ثُمَّ أَفَاقَ أبُو بَكْرٍ فَقَالَ: اقْرَأ عَلَىَّ مَا كَتَبْتَ، فَقَرَأَ عَلَيْه ذِكْرَ عُمَرَ، فَكَبَّر أَبُو بَكْرٍ وَقَالَ: أَرَاكَ خِفْتَ (إِنَّ أَقْبَلَتْ) نَفْسِى فِى غَشْيَتِى تِلْكَ يَخْتَلِفُ النَّاسُ، فَجزَاكَ الله عَنِ الإسْلَامِ وَأَهْلِهِ خَيْرًا، وَالله (إِنْ) كُنْتَ لَهَا لأَهْلًا، ثُمَّ أَمَرَهُ فَخَرَجَ بِالْكِتَابِ مَخْتُومًا وَمَعَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَأُسَيدُ بْنُ سَعِيدٍ الْقُرظِىُّ، فَقَالَ عُثْمَانُ للنَّاسِ: أَتُبَايِعُونَ لِمن فِى هَذَا الْكِتَاب؟ قَالْوا، نَعَمْ فَأَقَرُّوا جَمِيعًا، وَرَضُوا بِهِ وبَايَعُوا، ثُمَّ دَعَا أَبُو بَكْرٍ عُمَرَ خَالِيًا (فأوصاه) بمَا أَوْصَاهُ بِهِ، ثُمَّ خَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ فَرَفَعَ أَبُو بَكْرٍ يَدَيْهِ مَدًا فَقَالَ: الَّلهُمَّ إِنِّى لَمْ أُرِدْ بِذَلِكَ إِلَّا إِصْلَاحَهُمْ، وَخِفْتُ عَلَيْهِمُ الْفِتْنَةَ (فَعَمِلْتُ) فِيهِمْ مَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ، وَاجْتَهَدْتُ لَهُمْ رَأيي فَوَلَّيْتُ عَلَيْهِمْ خَيْرَهُمْ وأَقْوَاه عَلَيْهِمْ، وَأَحْرَصَهُ عَلَى مَا أَرْشَدَهُمْ، وَقدْ حَضَرَنِى مِنْ أَمْرِكَ مَا حَضَرَ، فَاخْلُفْنِى فِيهِمْ، فَهُمْ عِبَادُكَ، وَنَواصِيهِمْ بِيَدكَ، أَصْلِحْ لَهُمْ وَإِليْهِمْ، وَاجْعَلْهُ مِنْ خُلَفَائِكَ الرَّاشِدِينَ يَتَّبِعْ هَدْىَ نَبِىِّ الرَّحْمَةِ، وَهَدْىَ الصَّالِحينَ بَعْدَهُ، وَأَصْلِحْ لَهُ رَعِيَّتَهُ".

الصفحة 243