كتاب جمع الجوامع المعروف بـ «الجامع الكبير» (اسم الجزء: 14)

قلنا: ومجلسُك هذا فوالله لنأخذَنَّه منك ولنأخذن مُلْكَ الملك الأعظم إن شاء الله، أخبرنا بذلك نبيُّنَا محمد (¬1) - صلى الله عليه وسلم - قال لستم بهم، بل هم قوم يصُومون بالنهار، ويقومون بالليل، فكيف صومُكم؟ فأخبرناه، فمُلِئَ وجهُهُ سوادًا فقال: قوموا؛ وبعثَ معنا رسولًا إلى الملك، فخرجنا حتّى إذا كُنّا قريبًا من المدينةِ قال لنا الذى معنَا: إن دوابَّكُم هذه لا تدخلُ مدينةَ الملكِ، فإن شِئتُم حملناكُم على براذِينَ وبغالٍ، قلنا: والله لا ندخل إلا عليها، فأرسلوا إلى الملك إنهم يَأبَوْن، فدخلنا على رواحلنِا متقلدِين سيوفنا حتى انتهينا إلى غرفةٍ لهُ فأنخْنَا فِى أصلِها وهو ينظُر إلينَا، فقلْنا: لا إلهَ إلا اللهُ، والله أكبرُ، والله لقد تنفضت الغرفةُ حتى صارت كأنها عِذقٌ تَصفقه الرياحُ، فأرسل إلينَا: ليس لكمْ أَنْ تجهرُوا علينا بدينكم، وأرسل إلينا أن ادخُلوا، فدخلنا عليه وهو على فراشٍ له وعنده بطارقُتُه من الروم وكل شئ فِى مجلسِهِ أحمرُ وما حوله حمرةٌ، وعليه ثيابٌ من الحمرةِ فدنونا منه، فضحِك وقال: ما كان عليكم لو حَيَّيْتُمُونِى بتحيتكم فيما بينكمْ، وإذا عندَه رجلٌ فصيحٌ بالعربية، كثير الكلام، فقلنا: إن تحيتَنا فيما بيننا لا تحل لكَ، وتحيتُك التى تُحيّى بها لا يحل لنا أن نحييك بها، قال: كيف تحيتكم فيما بينكم؟ قلنَا: السلامُ عليكُم، قال: فكيف تحيون مَلِيكَكُمْ؟ قلنا: بها قال: فكيف يردُّ عليكم؟ قلنا: بها، قال: فما أعظمُ كلامكمْ؟ قلنا: لا إلهَ إلا اللهُ، واللهُ أكبرُ، فَلَمَّا تَكَلَّمْنَا بِهَا قال: والله يعلم، لقد تنفضتِ الغرفةُ حتى رفع رأسَه إليها قال: فهذِه الكلمةُ التى قلتمُوهَا حيثُ تنقضتِ الغرفةُ كلَّما قلتُموها فِى بُيوتِكم تنقَّضتْ بيُوتكمْ عليكمْ؟ قلنَا: لا، ما رأيناها فعلتْ هذا قطُّ إلا عندك، قال: لوددتُ أَنكمْ كلَّما قلتم تنفض كل شئ عليكمْ، وإنى خرجتُ من نصفِ ملكِى، قلنَا: لِم؟ قال: لأنهُ كان أيسَر لشأنِها وأجدرَ أن لا يكونَ من أمرِ النبوة وأن يكونَ منْ حِيَل الناسِ، ثم سألنَا عمَّا أَرادَ فأخبرْنَاهُ، ثم قَال: كيفَ صلاتكُم وصومُكمْ؟ فأخبرناهُ، فقال: قومُوا، فقمْنَا، فأَمر لنا بمنزلٍ حسنٍ ونُزُل كثيرٍ، فأقمنا ثلاثًا، فأرسل إلينَا ليلًا فدخلنا عليهِ فاستَعادَ قوْلنَا
¬__________
(¬1) ما بين القوسين ساقط من نسخة قولة، وأثبتناه من الكنز.

الصفحة 372