كتاب جمع الجوامع المعروف بـ «الجامع الكبير» (اسم الجزء: 14)
فأعدناهُ، ثم دعا بشئ كهيئة الرَّبْعَةِ (¬1) العظيمة مذهبة، فيها بيوتٌ صغَار عليها أبوابٌ، فَفتح بيتًا وقُفلا فاستخرج حريرة سوداءَ فنشرهَا، فإذا فيها صورةٌ حمراء وإذا فيها رجلٌ ضخْم العينينِ، عظيمُ الأَلْيَيْنِ لم أَرَ مثلَ طولِ عنقِهِ، وإذا ليستْ له لحيةٌ، وإذَا لهُ ضَفيرتَانِ أحسن ما خلقَ اللهُ، قال هل تعرفونَ هذَا؟ قلنَا: لا، قال: هذا آدمُ - عليه السلامُ - وإذا هوَ أكثر الناس شَعْرًا، ثم فتحَ لنا بابًا آخرَ فاستخرجَ منْه حريرةً سوداءَ فإذا فيها صورةٌ بيضاءُ وإذا لَهُ شعرٌ كشَعرِ القططِ، أحمرُ العينينِ، ضَخْمُ الهامَةِ، حسنُ اللِّحْيَةِ، فقال: هل تعرفونَ هذَا؟ قلنَا: لَا، قال: هذا نوحٌ - عليه السلامُ - ثم فتحَ بابًا آخَر فاستخرجَ منهُ حريرةً سوداءَ وإذا فيهَا رجلٌ شديدُ البياضِ، حسنُ العينين، صلت (¬2) الجبين، طَويلُ الخدِّ، أبيضُ اللحيةِ كأنه يتبسمُ، فقال: أتعرفون هذا؟ قلنَا: لا، قال: هذا إبراهيمُ - عليه السلام - ثم فتَح لنا بابًا آخر فاستخرجَ منه حريرةً سوداءَ وإذا فيها صُورةٌ بيضاءُ فإذا - والله - رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: أتعرفون هَذا؟ قلنا: نعمْ، محمد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: وبكينَا، والله يعلم أنه قامَ قائمًا ثم جلسَ، وقالَ: واللهِ إنه لَهُو؟ قلنَا: نعمْ إنهُ لهوَ، كأنَّما نَنْظُرُ إِليْه، فأمسكَ ساعةً ينظرُ إليها، ثم قال: إنه كانَ آخر البيوتِ، ولكنِّى عجلتُه لكم لأنظرَ ما عندكمْ، ثم فتحَ بابًا آخرَ استخرجَ منْه حريرة سوداءَ وإذا فيها صورةٌ أدْماءُ (¬3) سحماء (¬4)، وإذا رجل جعدٌ (¬5) قَطَط (¬6) غائرُ العينين، حديدُ النظرِ، عابسٌ، متراكب الأسنان، مقلصُ الشفة كأنه غضبانُ، فقال: هل تعرفونَ هذَا؟ قلنا: لا، قال: هذا موسَى - عليه السلام - وإلى جنبِه صورةٌ تشبهُهُ إلا أنَّهُ مدهان الرَّأسِ، عريضُ الجبينِ، في عينه
¬__________
(¬1) الربعة: إناء مربع كالجونة (النهاية).
(¬2) صلت الجبين، أى: واسعه. وقل الصلت: الأملس. وقيل: البارز (النهاية) ج 3/ 45.
(¬3) أدماء: السمرة الشديدة.
(¬4) سحماء: سوداء.
(¬5) جعد: شديد الأَسْرِ وَالْخَلْقِ.
(¬6) قَطَطٌ: شديد الجعودة.