كتاب جمع الجوامع المعروف بـ «الجامع الكبير» (اسم الجزء: 14)
2/ 154 - "عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ إِذَا صَلَّى صَلَاةً جَلَسَ لِلنَّاسِ فَمَنْ كَانَتْ لَهُ حَاجَةٌ كلَّمَهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لأَحَدٍ حَاجَةٌ قَامَ فَدَخَلَ فَصَلَّى صَلَوَاتٍ لَا يَجْلِسُ لِلنَّاسِ فِيهِنَّ، فَحَضَرَ الْبَابَ، فَقُلْتُ: يَا يَرْفَأُ أبأَمِيرِ المُؤمْنِينَ شَكَاةٌ؟ فقال: مَا بِأَمِير المؤمنين من شَكْوى، فَجَلَسْتُ فَجَاءَ عثمَانُ بْنُ عَفَّانَ فَجلَسَ، فَخَرَجَ يَرْفَأُ فقال: قُمْ يَا بْنَ عَفَّانَ، قُمْ يَا بْنَ عَبَّاسٍ، فَدَخَلْنَا عَلَى عُمَرَ فَإذَا بَيْنَ يَدَيْهِ صُبُرٌ مِنْ مَالٍ، عَلَى كُلِّ صُبْرَةٍ منْهَا كَنِفٌ، فَقَالَ عُمَرُ: إِنِّى نَظَرْتُ فِى أَهْلِ الْمَدِينَةِ فَوَجَدْتُكُمَا مِنْ أَكْثَرِ أَهْلِهَا عَشِيرَةً، فَخُذَا هَذَا المَالَ فَاقْتَسِمَاهُ، فَمَا كَانَ مِنْ فَضْلٍ فَرُدَّا، فَأَمَّا عُثْمَانُ فَحَثَا، وَأَمَّا أَنَا فَجَثَوْتُ لِركُبَتِى، وَقُلْتُ: وَإِنْ كَانَ نُقْصَانٌ رَدَدْتَ عَلَيْنا؟ فَقَالَ عُمَرُ نِشْنِشَةٌ (*) مِن أَخْشَنَ، يَعْنِى: حَجَرًا مِنْ جَبَبٍ، أَمَا كانَ هَذَا عِنْدَ الله إِذْ مُحَمَدٌّ - صلى الله عليه وسلم - وَأَصْحَابُهُ يَأَكُلُونَ الْقَدَّ؟ فَقُلْتُ: بَلَى وَالله لَقَدْ كَانَ هَذَا عِنْدَ الله وَمُحمَّدٌ حَىٌّ وَلَوْ عَلَيْهِ فَتْحٌ لَصَنَع فِيهِ غَيْرَ الَّذِى تَصْنَعُ، فَغَضِبَ عُمَرُ فَقَالَ: إِذَا صَنَعَ مَاذَا قُلْتَ إِذَنْ لأَكَلَ وَأَطْعَمنَا فَنَشجَ (* *) عُمَرُ حَتَّى اخْتَلَفَتْ أَضْلَاعُهُ، ثُمَّ قَالَ: وَدِدْتُ أَنِّى خَرَجْتُ مِنْهَا كِفافًا لَا لِىَ وَلَا عَلَىَّ".
¬__________
= ذلك وفينا عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال: أنا أشفيكم من ذاك، قال: قلنا: كيف؟ قال: آتى النبى - صلى الله عليه وسلم - فأذكر كذا وكذا، فإذا ذكر الرجم أقول: يا رسول الله اكتبنى آية الرجم، قال: فأتيته فذكرته، قال: فذكر آية الرجم، قال: فقال: يا رسول الله اكتبنى آية الرجم قال: لا أستطيع ذاك، في هذا وما قبله دلالة على أن آية الرجم حكمها ثابت وتلاوتها منسوخة، وهذا مما لا أعلم فيه خلافًا.
(*) نهاية ج 5 ص 60 (نشنش) في حديث عمر: "قال لابن عباس في كلام: (نشنشةٌ من أَخْشَنَ) أى: حَجَر من جبل، ومعناه: أنه شَبَّهَهُ بأَبيه العباس، في شهامته ورأيه وجرأته على القول، وقيل: أراد أن كلمته منه حَجَر من جبل! أى أن مثلها يجئ من مثله، وقال الحربى: أراد شنشنة: أى غريزة وطبيعة، وقال الأزهرى: يقال: شنشنة ونشنشة.
(* *) نهاية نفس المصدر ص 52 مادة: (نشج) في حديث وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - "فنشج الناس يبكون" النشيج: صوت معه تَوَجُّع وبكاء، كما يرد الصبى بكاءه في صدره. ومنه حديث عمر: "فَنَشج حتَّى اختلفت أضلاعه".