كتاب مرآة الزمان في تواريخ الأعيان (اسم الجزء: 14)
في ثيابٍ رثَّة تتعثَّر بذيلها، ووقفت بين يديه، فقال: ما حاجتُكِ؟ فقالت: امرأةٌ غريبة، وأنشدت: [من البسيط]
يا خيرَ منتصفٍ يُهدَى به الرَّشَدُ ... ويا إمامًا به قد أَشرق البلدُ
تشكو إليك عميدَ المُلكِ أَرملةٌ ... عَدَا عليها فما يَقوَى به (¬1) الأَسَد
فابتزَّ منِّي ضِياعي بعد مَنعَتها ... لمَّا تفرَّق عنِّي الأهلُ والوَلَد
فأَطرق المأمونُ ساعةً [مفكَرًا] (¬2) ثم رفع رأسَه وقال (¬3):
مِن دون ما قلت عِيلَ الصبرُ والجَلَدُ ... فأَحضِروا خصمَها اليومَ الذيَ أَعِدُ (¬4)
والمجلسُ السَّبت إنْ يُقضَ الجلوسُ لنا ... أُنْصِفْكِ منه وإلَّا المجلسُ الأَحَد
وقام، فلمَّا كان يومُ الأحدِ حضرت المرأة، فقال لها: وأين الخصم؟ فأشارت إلى العباس بنِ المأمون، وكان قائمًا على رأسِ أبيه وهو غلام، فقالت: غصبني ضَيعتي، فسأله الحجَّة، فسكت، والمرأةُ ترفع عليه صوتَها وهو لا ينطِق، فقال لها بعضُ الحاضرين: أَترفعين صوتَك على ابن أميرِ المؤمنين! فقال له المأمون: اُسكت؛ فإنَّ الحقَّ أَنطقها والباطل أَخرسه، ثم ردَّ عليها ضَيعتَها وأعطاها عشرةَ آلافِ درهمٍ وردَّها إلى أهلها.
وقال إسحاقُ بن إبراهيمَ المَوصلي: كان المأمونُ قد سخط على الخَليع (¬5) لأنَّه هجاه ومدح الأَمين. قال إسحاق: فبينا أنا ذاتَ يومٍ عند المأمون، إذ دخل ابنُ البوَّاب الحاجبُ وبيده رُقعة، فاستأذن في إِنشادها، فأذن له، فقال: [من الطويل]
أَجِرني فإنِّي قد ظمئتُ إلى الوعد ... متى تُنجز الوعدَ المؤكَّدَ بالعهدِ
أُعيذك من خُلْف الملوكِ فقد ترى ... تقطُّعَ أنفاسي عليك من الوَجْد
¬__________
= يجلس للخصوم من الغداة إلى بعيد الظهر، فلما أراد القيام. والمثبت من (ب).
(¬1) في (ب): بها، وفي (خ) و (ف): يد، والمثبت من المحاسن والمساوئ ص 497، وتاريخ دمشق 39/ 257. وفي العقد الفريد 1/ 28: عدي عليها فلم يُترَك لها سَبَدُ.
(¬2) ما بين حاصرتين من (ب).
(¬3) بعدها في (ف): هذا الشعر مصنوع عليه. وليست في المصادر.
(¬4) دمج المصنف هنا بيتين في بيت، واختلفت المصادر في رواية عجز هذا النبي - صلى الله عليه وسلم -.
(¬5) هو الحسين بن الضحاك الشاعر.