كتاب مرآة الزمان في تواريخ الأعيان (اسم الجزء: 14)
أولئك قومي بعد عزٍّ وثروةٍ ... تفانَوا فإلَّا أَذرف الدمع (¬1) أَكْمَدِ
فقار له المأمون: يا ابنَ الفاعلة، لم تجدْ وقتًا تذكر فيه مواليك إلَّا هذا الوقت! وسخط عليه [أيامًا] (¬2) ثم رضي عنه (¬3). فأحضره ومعه مُخارق، فقال لمخارق: غَنِّ، فقال -والأبياتُ لجرير-: [من البسيط]
لمَّا تذكَّرتُ بالدَّيرينِ أَرَّقني ... صوتُ الدَّجاجِ وقَرعٌ بالنَّواقيسِ
فقلتُ للرَّكب إذ جدُّوا الرحيلَ بنا ... يا بُعدَ يَبْرِينَ من باب الفَراديس (¬4)
فقال لعلُّويه: غَنِّ، فقال: [من الكامل]
الحَينُ ساق إلى دمشقَ وما ... كانتْ دمشقُ لأَهلنا وطنا (¬5)
فضرب [المأمونُ] (¬6) الأرضَ بالقَدَح فكسره، وقال: هذا واللهِ آخرُ عهدي بالعراق (¬7)، لا عُدْتُ إليه أبدًا، فكان كما قال.
وقال محمدُ بن حامد: حضرتُ مجلسَ المأمون، [فغنَّت عَرِيب:
كحاشية البُرد اليماني المسهَّمِ (¬8)
فأنكر المأمونُ كونَها لم تذكر أوَّل البيت، وهو للنابغة:
رمى ضَرْعَ نابٍ فاستمرَّ بطعنةٍ ... كحاشيةِ البُرد ............. ]
فقال المأمون: مَن أشار منكم إلى عَرِيبٍ بشيء؟ فسكتوا، فقال: برئتُ من هارونَ لئن لم أُصدَق عن هذا الأمر، لأُعاقبنَّ عليه بالضرب الوجيع، ولئن صَدَقني لأُبلغنَّه أَملَه، فقلت: أنا أشرتُ إليها بقُبلة، فقالط: الآن جاء الحقّ، أَتحبُّ أن أزوِّجَك إياها؟
¬__________
(¬1) في (خ) و (ف): النفع، والمثبت من (ب)، وفي تاريخ الطبري والأغاني 4/ 353: العين. والبيت لأبي سعيد مولى فائد، المعروف بابن أبي سنة، كما في الأغاني.
(¬2) ما بين حاصرتين من (ب).
(¬3) بعدها في (ب): وحكي عن العتبي أنَّه قال: كان الأمون يقول الشعر، وهو من أدنى فضائله.
(¬4) الديوان ص 249 - 250 (دار صادر).
(¬5) في تاريخ الطبري 8/ 666، والأغاني 11/ 358، وديوان عمر بن أبي ربيعة ص 328: بلدا.
(¬6) ما بين حاصرتين من (ف).
(¬7) كذا في (خ) و (ف)، والصواب: بالشام.
(¬8) هو النابغة الجعدي، والبيت في ديوانه ص 143، وما بين حاصرتين من (ف). وكلام المصنف هنا يخالف ما في الأغاني 21/ 70 - 71 حيث ذكر أن الأمون أنكر عليها ابتداءها الغناء من تلقاء نفسها.