كتاب مرآة الزمان في تواريخ الأعيان (اسم الجزء: 14)
فأسلم [النصرانيُّ] بعد أن صرخ وغُشِيَ عليه، وصحبَ فتحًا الموصليَّ، وبكى حتى ذهبت إحدى عينيه وعَشِيَ من الأخرى، فقيل له ذات يوم: حدَّثنا عن فتح، فبكى وقال: كان والله كهيئة الروحانيين، قلبه معلَّقٌ بما هنالك، لقد خرجَ ذات يومٍ في عيد ثم رجع، فرأى الدخان يخرج من نواحي المدينة، وشمَّ روائح القُتَار (¬1)، فبكى وقال: تقرَّب إليك المتقرِّبون بقرابينهم، وأنا أتقرَّبُ إليك بحزني (¬2) أيهُّا المحبوب، فليت شعري ما أنت فاعلٌ بي، ثمَّ غشي عليه فأفاق، فأقام أيَّامًا ومات (¬3).
[وروى الخطيب بإسناده إلى بشر الحافي قال: ] (¬4) بلغني أنَّ بنتًا لفتح الموصليِّ عريت، فقيل له: ألا تطلبُ من يكسوها؟ ! فقال: أدعها (¬5) لعلَّ الله [أن] يَرى عُريها وصبري عليها، قال: وكان الشتاء إذا جاء جمع عياله، ومدَّ عليهم كساءه ثم قال: اللهمَّ إنَّك أفقرتني وأفقرتَ عيالي، وجوَّعْتَني وجوَّعتَ عيالي، وأعريتَني وأعريتَ عيالي، فبأيِّ وسيلةٍ توسَّلتُ إليك؟ وإنَّما تفعلُ هذا بأوليائك وأحبائك، فهل أنا منهم فأفرح (¬6)؟
[وروى ابن جهضم بإسناده إلى إبراهيم بن نوح قال: ] (¬7) رجع فتحٌ إلى أهله بعد العتمة، وكان صائمًا، فقال: عشُّوني، قالوا. ما عندنا شيء، قال: فما بالكم جلوسٌ في الظلمة، قالوا: ما عندنا زيتٌ، فجلس يبكي من الفرح ويقول: إلهي مثلي يُترَك بغير عَشاء ولا سراج، بأيِّ يدٍ كانت مني؟ فما زال يبكي إلى الصباح (¬8).
وقال بشر الحافي: كان فتحٌ يتجزَّأ بفَلْسٍ في اليوم، يشتري به نخالةً فيتقوَّتُ بها (¬9).
وروى أبو نعيم عنه أنَّه صُدِع، فقال: يا ربّ، ابتليتَني ببلاء الأنبياء، فشُكْرُ هذا أن
¬__________
(¬1) القتار: ريحُ الشواء. انظر اللسان (قتر).
(¬2) في (ب): بحرقي.
(¬3) صفة الصفوة 4/ 187، وكتاب التوابين (150).
(¬4) ما بين حاصرتين من (ب)، وفي (خ) و (ف): وقال بشر الحافي.
(¬5) في (خ) و (ف): دعها. والمثبت من (ب).
(¬6) تاريخ بغداد 14/ 361.
(¬7) ما بين حاصرتين من (ب)، وفي (خ) و (ف): وقال إبراهيم بن نوح.
(¬8) شعب الإيمان للبيهقي (9646)، وصفة الصفوة 4/ 184.
(¬9) صفة الصفوة 4/ 184، وقوله: يتجزأ، يعني: يكتفي. مختار الصحاح (جزأ).