كتاب مرآة الزمان في تواريخ الأعيان (اسم الجزء: 14)

البصرة، فقطع عامَّةَ متكلِّميها، فمضيتُ إليه، فوجدته يقرِّرُ نبوَّة موسى - عليه السلام -، ويجحدُ نبوَّة نبيِّنا محمَّد - صلى الله عليه وسلم -، ويقول: قد تساعدنا على نبوَّة موسى، وأنا لا أوافقكم على نبوَّة غيره، وقد بشَّر نبيُّكم به. ولم يكن عند أحدٍ جوابٌ.
فقلت له: إنْ كان موسى الذي تشيرُ إليه هو الذي أخبر عن (¬1) نبيِّنا - صلى الله عليه وسلم - وأمرنا باتِّباعه، فنحن نؤمنُ به، وإن كان موسى الذي أشرفَ إليه لا يقرُّ بنبوَّة نبيِّنا ويجحدُه، فلسنا نعرفُه، فتحيَّر وقال: ما تقول في التوراة؟ فقلت: الجوابُ واحد، إن كانت أُنزِلت على موسى الذي أقرَّ بنبيِّنا فهي حق، وإلَّا فهي باطل، فتقدَّم إلى وسارَّني وشتمني أقبحَ شتم، وظنَّ أنِّي أثبُ به، فيقول: ضربوني، فتأخَّرتُ عنه وقلت للحاضرين: قد سمعتم جوابي وظهر عجزه وانقطاعه، وإنه سارَّني وشتمني شتمًا يجب به الحدُّ عليه، فأخذَتْه النعالُ، وخرجَ هاربًا من البصرة.
وقال المأمون لحاجبه: أخرج فانظر مَنْ بالباب من المتكلمين، فخرج وقال: أبو الهذيل المعتزليّ، وعبد الله بن إباض الخارجيّ، وهشام بن الكلبي الرافضيّ، فقال المأمون: ما بقيَ من رؤساء جهنَّم أحدٌ إلَّا وقد حضر.
وقال الخَطيب: شربَ أبو الهذيل عند ابنٍ (¬2) لعثمان بن عبد الوهَّاب، فراود غلامًا في الكنيف، فضربَهُ الغلامُ بتورٍ سفاذرويه (¬3) في رأسه، فدخلَ في رقبته، وصار مثل الطوق، فبعثوا إلى حدَّادٍ ففكَّه عن رقبته.
وقال: إنَّه تُوفِّي في سُرَّ مَنْ رأى في هذه السنة، وقد أتت عليه مئة وأربع سنين (¬4).
ووهم الخَطيب. وقال أبو الفرج الجوزي رحمه الله: إنَّه مات سنة خمسٍ وثلاثين ومئتين (¬5).
¬__________
(¬1) في (خ) و (ف): عنه. انظر تاريخ بغداد 4/ 584 والخبر فيه.
(¬2) في (خ) و (ف): ابنا. والمثبت من تاريخ بغداد 4/ 586.
(¬3) في (خ) و (ف): اسيادروه. والمثبت من تاريخ بغداد 4/ 586، قال محققه: سفاذرويه: كلمة فارسية تشير إلى نوع هذا الإناء.
(¬4) تاريخ بغداد 4/ 586.
(¬5) المنتظم 11/ 236. وانظر أَيضًا ترجمته في وفيات الأعيان 4/ 265، ولسان الميزان 7/ 561، وسير أعلام =

الصفحة 333