كتاب مرآة الزمان في تواريخ الأعيان (اسم الجزء: 14)

وسُلِب فعذَر، فليقابل بالشكر على صبره، وبالإحسان على عذرِه، ويترك له ضياعه، ويسقط له خراجها، ويعوَّض أشناس عنها، ولا يعاود في ذلك، والسلام (¬1).
وقال المعلَّى بن أيوب الكاتب: عنَّتني الفضل بن مروان ... (¬2) المعتصم، وطلبَ مني حسابًا طويلًا، حتى خفتُ من المعتصم يتغيَّرُ عليَّ، فجلست ليلةً، وأوقدتُ بين يديَّ نفَّاطةً، وشرعت في عمل الحساب إلى نصفِ الليل، فغلبتني عيناي، فرأيتُ في المنام شخصًا يقرأ: {قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً} الآيات [الأنعام: 63 - 65]، فانتبهتُ فزِعًا، وكنّا في الخيام، وإذا بمشعلِ صاحب الحرس قد أنكر نفَّاطتي في ذلك الوقت، فجاء، فوقف عليَّ وقال: ما الذي تصنع؟ فأخبرتُه، فمضى إلى المعتصم، فأخبره، وإذا الرسل (¬3) قد جاءت يطلبوني، فدخلتُ عليه وهو قاعد، ولم يبق من الشمع إلَّا أسافله، فسألني عن حالي، فأخبرته، فقال: ويلي على النبطيّ، امتهنك، وأيُّ يدٍ له عليك؟ ! أنتَ كاتبي، وهو كاتبي، ثم قال: اصبر ترى ما تحب، فانصرفتُ، وقد سُرَيَ عنّي، وقبضَ على الفضل بعد أيامٍ، واستأصلَه.
وقال ابن أبي دؤاد: استخرجتُ من المعتصم ألفي ألف درهم لأجل الشاش في حفر نهرٍ كان قد أضرَّ بهم اندراسه، فقال لي: يا أبا عبد الله مالي ومالك، تأخذ مالي فتعطيه لأهل الشاش وفرغانة! فقلت: المالُ لله، وهم رعيَّتُك، ولا فرق بين الأقصى والأدنى في حسن نظر الإمام، فسكت (¬4).
ولمَّا وصف ابن أبي دؤاد ... (¬5) المعتصم وحسن عشرته وتواضعه ولين جانبه (¬6) كلامه غير أن سلطان الغضب استولى عليه، فكان إذا غضب لم يبالِ من قتل وما فعل.
وقال الفضلُ بن مروان: لم يكن للمعتصم لذَّةٌ في تزيين الدنيا والبناء وكانت غايته
¬__________
(¬1) انظر التذكرة الحمدونية 1/ 437.
(¬2) في (خ) و (ف) بياض بمقدار كلمة، ولعلها: وزير.
(¬3) في (خ): الرجال، وفي (ف): الرجل. والتصويب من الفرج بعد الشدة للتنوخي 1/ 105.
(¬4) تاريخ الطبري 9/ 121.
(¬5) في (خ) و (ف) بياض بمقدار كلمتين.
(¬6) في (خ) و (ف) بياض بمقدار كلمتين.

الصفحة 371