كتاب مرآة الزمان في تواريخ الأعيان (اسم الجزء: 14)
ويعرف بابن عائشة؛ لأنَّه من ولد عائشةَ بنت طلحة - رضي الله عنهم -.
قدم بغداد فحدَّثَ بها، ثمَّ عاد إلى البصرة، وكان فصيحًا، أديبًا، سخيًّا، حسن الخُلُق، ورعًا عارفًا بأيام الناس، صدوقًا، أمينًا، ثقةً.
قال إبراهيم الحربي: ما رأت عيناي مثل ابن عائشة، فقيل له: قد رأيتَ الإمام أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وإسحاق بن راهويه، وتقول هذا! فقال: نعم، بُلِّغَ الرشيدُ شيئًا من أخلاقه (¬1)، فأحضرَه، وعدَّد عليه جميعَ ما سمع منه، وهو يقول: بفضل الله وفضل أمير المؤمنين، فلمَّا سكتَ قال له: يا أميرَ المؤمنين، وأحسن من هذا المعرفةُ بقدري، والقصدُ في أمري، فقال: أحسنت يا عم.
وقال محمد بن زكريا الغَلابي: كنت عند ابن عائشة، فجاءه رجل فسأله أن يهبَ له شيئًا، فنزع جُبَّةً كانت عليه تساوي ستة أو سبعة دنانير، فدفعَها إليه، فقال له وكيله: ما أخوفني عليك أن تموتَ فقيرًا، قال: وكيف؟ قال: كانت لك ستُّ جبات (¬2)، فوهبتَها، وبقيت لك هذه فوهبْتَها، وهذا الشتاءُ يقبل، فقال: إليك عني، فإني أريدُ أن أكون كما قال الأول: [من مجزوء الكامل]
وفتًى خلا من مالهِ ... ومن المُروءةِ غيرُ خالي
أعطاكَ قبل سُؤاله ... فكفاكَ مكروة السؤالِ
وإذا وَعى (¬3) لكَ موعدًا ... كان الفعالُ مع المَقالِ
لله درُّكَ من فتًى ... ما فيكَ من كَرَمِ الخلالِ
وقال أبو بكر بن أبي شيبة (¬4): قال جدِّي: أنفقَ ابنُ عائشة على إخوانه (¬5) أربع مئة ألف دينار في الله تعالى، حتى باعَ سقفَ بيته.
وكان مع هذه الفضائلِ الكاملة شديدَ القوى، كان يُمسكُ بيمينه ويساره شاتين إلى
¬__________
(¬1) كذا في (خ) و (ف). وفي المصادر: بلغ الرشيد سناءُ أخلاقه.
(¬2) كذا في (خ) و (ف). وفي تاريخ بغداد 12/ 19: جباب.
(¬3) في تاريخ بغداد: رأى.
(¬4) كذا في (خ) و (ف). والصواب: أبو بكر بن شيبة. انظر تاريخ بغداد 12/ 20، وتهذيب الكمال 19/ 151.
(¬5) في (خ) و (ف): أخواله، والتصويب من المصادر.