كتاب مرآة الزمان في تواريخ الأعيان (اسم الجزء: 14)
على السلطان، ما تقول في القرآن؟ قال: كلام الله غير مخلوق، قال: أفترَى ربَّك يوم القيامة؟ قال: نعم، كذا وردت الأخبارُ ونطق القرآن، فقال: ويحك يرى كما يُرى الجسمُ المحدود، ويحويه مكان ويحصره الناظر؟ ! أنا أكفرُ بربٍّ هذه صفته، ثم قال للحاضرين: ما تقولون فيه؟ قال عبد الرَّحمن بن إسحاق -وكان قاضيًا على الجانب الغربي من بغداد ثم عزل-: [هو حلالُ الدَّم] (¬1)، ووافقه جماعةُ الفقهاء، فأظهر أحمد بن أبي دؤاد الكراهيةَ لقتله، وقال: شيخٌ كبيرٌ مختلٌّ، لعلَّ به عاهة، ويؤخَّر أمره ويستتاب. فقال الواثق: ما أُراه إلا مؤذنًا بالكفر، قائمًا بما يعتقده منه، ودعا بالصَّمصامة، وقال: إذا قمت إليه لا يقومنَّ أحد معي، فإنِّي أحتسبُ خطايَ إلى هذا الكافر، ثم أمرَ بالنِّطع، فجلسَ عليه وهو مقيَّد، وأمرهم بشدِّ رأسِه بحبل، وأمرَهم أن يشدوه (¬2)، ومشى إليه فضربَ عنقَه، وأمر بحمل رأسِه إلى بغداد، فنُصِب في الجانب الشرقيِّ أيَّامًا وفي الجانبِ الغربيِّ أيَّامًا، ثم تتبَّع أصحابَه فحبسوا.
وقال الطبريُّ: لما حُمِل أحمد وأصحابه إلى سُرَّ من رأى، جلسَ لهم الواثقُ جلوسًا عامًّا، فلما دَخلوا عليه قال له: يا أحمد، ما تقولُ في القرآن؟ قال: كلام الله، قال: أفترى ربَّك يومَ القيامة؟ قال: نعم كذا جاءت الآثارُ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: "إنَّكم لترونَ ربَّكم يوم القيامة" (¬3) الحديث، وذكر له أحاديث، فقال له إسحاق بن إبراهيم: ويلك، انظر ما تقول، قال: أنت أمرتني بهذا، فخاف إسحاق وقال: أنا أمرتك، قال: نعم، أمرتَني أن أنصحَ لأمير المؤمنين، ومن نصحي له ألا يخالفَ حديثَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال الواثق: ما تقولونَ فيه؟ فقال عبد الرَّحمن بن إسحاق: هو حلالُ الدم، وقال الأرمنيُّ صاحب ابن أبي دؤاد: اسقني دمه، فقال ابن أبي دؤاد: يحبسُ ويستتاب، وأحمد قد استقتل (¬4) وتنوَّر، فدعَا الواثق بالصَّمصامة التي كانت لعمرو بن معد يكرب، وقام ومشى إليه، وضرب على رأسه، ثم ثنى على حبل العاتق، وانتضى
¬__________
(¬1) ما بين حاصرتين من تاريخ بغداد 6/ 401.
(¬2) في تاريخ بغداد 6/ 401 - والخبر فيه من طريق الصولي-: يمدوه.
(¬3) أخرجه بهذا اللفظ اللالكائي في اعتقاد أهل السنة (824) من حديث أبي هريرة، وأخرجه البخاري (554)، ومسلم (633) وغيرهم من حديث جرير بنحوه.
(¬4) في (خ) و (ف): استقبل. انظر تاريخ الطبري 9/ 137.