كتاب مستخرج أبي عوانة ط الجامعة الإسلامية (اسم الجزء: 14)

7168 - حدثنا أبو داود الحراني، قال: حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد (¬1)، قال: حدثنا أبي، عن صالح، عن ابن شهاب قال: أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود أنّ عبد الله بن عبّاس أخبره أنّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كتب إلى قيصر يدعوه إلى الإسلام، وبعث
-[351]- بكتابه مع دحية الكلبي، وأمره رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنْ يدفعه إلى عظيم بصرى يدفعه إلى قيصر، فدفعه عظيم بصرى (¬2) إلى قيصر، وكان قيصر لمّا كشف الله عنه جنودَ فارس مشى من حمص (¬3) إلى إيلياء (¬4) شكرًا لما أبلاه (¬5) الله، فلمّا جاء قيصر كتابُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال حين قرأه: التمسوا هل ها هنا من قومه أحد (¬6) لنسأله عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-! قال ابن عبّاس: فأخبرني أبو سفيان بن حرب أَنّه كان بالشام في رجال من قريش قدموا تجارًا في المدة التي كانت بين رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وبين كفّار قريش، قال أبو سفيان: فوجدَنا رسولُ قيصر ببعض الشام، فانطلق بي وبأصحابي حتى قدمنا إيلياء فأدخلنا عليه، فإذا هو جالس في مجلس ملكه، وعليه التّاج، وحوله عظماء الروم، فقال لترجمانه: سلهم أَيّهم أقرب نسبًا إلى هذا الرجل الذي يزعم أنّه نبي؟ قال أبو سفيان: فقلت أنا أقربهم إليه نسبًا، فقالوا: ما قرابة بينك وبينه؟ قال:
-[352]- قلت: هو ابن عمي، قال: وليس في الركب يومئذ رجل من بني عبد مناف غيري، قال: فقال قيصر: أدنوه مني! قال: ثمّ أمر أصحابي فجُعلوا خلاف ظهري عند كتفي، قال: ثمّ قال لترجمانه: قل لأصحابه إنّي سائلٌ هذا عن هذا الرجل الذي يزعم أنّه نبي، فإن كذَبَ فكَذِّبُوه! قال أبو سفيان: والله لولا الحياء يومئذ من أن يأثر أصحابي عليّ الكذب لكذبته [عنه] (¬7) حين سألني، ولكنّي استحييت أَنْ يأثروا عليّ الكذب فصدقْتُه عنه (¬8)، ثمّ قال لترجمانه: [قل له] (¬9): كيف نسب هذا الرجل فيكم؟ قلت هو فينا ذو حسب، قال: فهل قال هذا القول منكم أحدٌ قبله؟ قال: قلت: لا، قال: فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قال: قلت: لا، قال: فهل كان من آبائه مَلِكٌ؟ قال: قلت: لا، قال: فأشراف النّاس اتبعوه أم ضُعَفَاؤهم؟ قال: قلت: بل ضعفاؤهم، قال: أفيزيدون أو ينقصون؟ قال: قلت: بل يزيدون، قال: قال: فهل يرتدّ أحد سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟ قال: قلت: لا، قال: فهل يغدر؟ قال: قلت: لا، ونحن منه الآن في مدة ونحن نخاف أن يغدر، قال: وقال أبو سفيان: ولم تُمْكنِّي كلمة أدخل فيها شيئا أتنقصه به لا أخاف أن يؤثر عني غيرها، قال:
-[353]- فهل قاتلتموه وهل قاتلكم؟ قال: قلت: نعم، قال: فكيف كان حربكم وحربه؟ قال: قلت: كانت دولا (¬10) وسجالا؛ يدال علينا مرة، وندال عليه الأخرى (¬11)، قال: فما يأمركم به؟ قال: قلت: يأمرنا أن نعبد الله وحده ولا نشرك به شيئًا، وينهانا عمّا كان يعبد آباؤنا، ويأمرنا بالصلاة، والصدق، والعفاف والوفاء، بالعهد، وأداء الأمانة، قال: فقال لترجمانه حين قلت ذلك له: قل له: إنّي سألتك عن نسبه فيكم، فزعمت أنّه فيكم ذو نسب، وكذلك الرسل تبعث في نسب قومها، وسألتك هل قال هذا القول أحد منكم قبله؟ قلت: لا (¬12)، فقلت (¬13): لو كان قال هذا القول أحد منكم قبله قلت: رجل يأتم يقول قيل قبله، وسألتك: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قال (¬14): فزعمتَ أنْ لا، فقد عرفت أنّه لم يكن ليذر الكذب على الناس ويكذب على الله، وسألتك: هل كان من آبائه مَلِكٌ؟ فزعمت أن لا، فقلت: لو كان من آبائه ملك لقلت: رجل يطلب ملك آبائه، وسألتك: أشراف النّاس اتبعوه أم ضعفاؤهم؟ فزعمت أن ضعفاؤهم اتبعوه، وهم
-[354]- أتباع الرسل، وسألتك: هل ينقصون أم يزيدون؟ فزعمت أنّهم يزيدون وكذلك الإيمان حتى يتمّ، وسألتك: هل يرتدّ أحدٌ منهم سخطةً لدينه بعد أن يدخل فيه؟ فزعمت أنْ لا، وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلب لا يبغضه أحد، وسألتك: هل يغدر؟ فزعمت أن لا، وكذلك الرسل لا يغدرون، وسألتك: هل قاتلتموه وقاتلكم؟ فزعمت أن قد فعل وأَنَّ حربكم وحربه تكون دولا؛ يُدَال عليكم المرةَ وتُدَالون عليه الأخرى، وكذلك الرسل تُبْتَلى وتكون لها العاقبة، وسالتك: بماذا أمَرَكم؟ فزعمت أنّه يأمركم أن تعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئا، وينهاكم عما كان يعبد آباؤكم، ويأمركم بالصلاة والصدق والعفاف والوفاء بالعهد وأداء الأمانة، قال: وهذه صفة نبي، قد كنت أَعلم (¬15) أَنَّه خارجٌ ولم أَكنْ أظنّ أنّه منكم، وإنْ يك ما قلتَ حقًّا فيوشك أَنْ يملك موضع قدميّ هاتين، ووالله لو أرجو [أنّي] (¬16) أخلص إليه لَتَجَشَّمْتُ (¬17) لُقِيَّه، ولو كنت عنده لغسلت (¬18) عن قدميه، قال أبو سفيان: ثمّ دعا بكتاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأمر به فقرئ فإذا فيه:
-[355]- بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ من محمد رسول الله (¬19) إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد: فإنّي أدعوك بدعاية الإسلام، أَسلم تسلم! وأَسلم يؤتك الله أَجرك مرتين! وإنْ تولّيت فإنّ عليك إثم الأريسيين و {قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ} إلي {مُسْلِمُونَ} (¬20).
قال أبو سفيان: فلما قضى مقالته علت أصوات الذين حوله من عظماء الروم وكثر لغطهم، فلا أدري ماذا قالوا، وأُمر بنا فأخرجنا، قال أبو سفيان: فلما خرجت مع أصحابي وخلصت بهم قلت: لقد أَمِرَ أَمْرُ ابن أبي كبشة، هذا ملك بني الأصفر يخافه! قال أبو سفيان: فوالله ما زلت ذليلًا مستيقنا بأنّ أمره سيظهر حتى أدخل الله قلبي الإسلام وأنا له كاره (¬21).
¬_________
(¬1) يعقوب بن إبراهيم هو موضع الالتقاء مع مسلم.
(¬2) نهاية (ل 5/ 219/ ب).
(¬3) حِمْص: بالكسر ثم السكون، والصاد المهملة، مدينة بالشام مشهورة.
معجم ما استعجم (2/ 468)، وانظر: معجم البلدان (2/ 347).
(¬4) إيلياء: بكسر أوله واللام، وياء، وألف ممدودة، مدينة بيت المقدس، وفيها ثلاث لغات: مد آخره، وقصره "إيلياء وإيليا"، وقصر أولها إلياء، وقيل: معنى إيلياء: بيت الله. انظر: معجم ما استعجم (1/ 217)، معجم البلدان (1/ 348).
(¬5) من الإبْلاء: وهو الإنعام والإحسان. انظر: النهاية (1/ 155).
(¬6) في (ل): (من أحد).
(¬7) من هامش ك، ومن: (ل).
(¬8) نهاية (ل 5/ 220 / أ).
(¬9) من: (ل).
(¬10) أي: نغلبه مرة ويغلبنا الأخرى، بمعنى سجال. انظر: النهاية (2/ 141).
(¬11) في (ل): (أخرى).
(¬12) في (ل): (فزعمت أن لا).
(¬13) نهاية (ل 5/ 220/ ب).
(¬14) (قال) ليست في: ل، وهو أقرب.
(¬15) نهاية (ل 5/ 221 / أ).
(¬16) من (ل).
(¬17) أي: تَكَلَّفت. انظر: النهاية (1/ 274).
(¬18) في (ل): (غسلت).
(¬19) في (ل): (عبد الله ورسوله).
(¬20) آل عمران (64).
(¬21) نهاية (ل 5/ 221 / ب).
والحديث أخرجه مسلم: (كتاب الجهاد والسير -باب كتاب النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى هرقل يدعوه إلى الإسلام- ح (74) (...) 3/ 1397). وأخرجه البخاري: (كتاب الجهاد والسير -باب دعاء النبي -صلى الله عليه وسلم- الناس إلى الإسلام والنبوة، وأن لا يتخذ بعضهم بعضا أرباب من دون الله ..... ح (2940)، (6/ 128 - 130 فتح).
* من فوائد الاستخراج: الإتيان بمتن رواية يعقوب بن إبراهيم، والتي أشار مسلم =
-[356]- = إلى إسنادها وذكر طرفًا من متنها.

الصفحة 350