كتاب مستخرج أبي عوانة ط الجامعة الإسلامية (اسم الجزء: 14)
[باب] (¬1) بيان صفة فتح النبي -صلى الله عليه وسلم- مكة (¬2)، وتوجيهه الزبير وخالد بن الوليد وأبا عبيدة قدّامه.
¬_________
(¬1) من: (ل)، وزاد في آخر الترجمة (والترجمة أطول منه).
(¬2) كان ذلك في شهر رمضان سنة ثمان من الهجرة.
انظر: السيرة النبوية لابن هشام (4/ 389)، الطبقات الكبرى لابن سعد (2/ 134 - 145)، زاد المعاد (3/ 394 - 415)، سبل الهدى والرشاد (5/ 200 - 274).
7222 - حدثنا يونس بن حبيب، قال: حدثنا أبو داود (¬1) ح
وحدثنا أبو داود الحراني، قال: حدثنا عمرو بن عاصم الكلابي، قالا: حدثنا سليمان بن المغيرة (¬2)، قال: حدثنا ثابت، عن عبد الله بن رباح، عن أبي هريرة قال: وَفَدَ وَفْدٌ إلى معاوية وأنا فيهم وأبو هريرة، قال: وذلك في رمضان، فجعل بعضنا يصنع لبعض الطعام، فكان أبو هريرة يكثر، ثم يدعونا (¬3) إلى رحله، فقلت: ألا أصنع طعامًا فأدعوهم إلى رحلي؟ فأمرت بطعام يصنع ولقيت أبا هريرة من العشي (¬4)، فقلت: الدعوة عندي الليلة، قال: سبقتني، قلت: نعم، قال: فدعوتهم وهو عندي، فقال أبو هريرة ألا أعلمكم بحديث من حديثكم
-[409]- يا معشر الأنصار؟ ثمّ ذكر فتح مكة فقال: أقبل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حتى أتى مكة فبعث الزبير بن العوام على إحدى المُجَنّبتين، وبعث خالد بن الوليد على المجنبة الأخرى، قال: وبعث أبا عبيدة بن الجراح على الحُسَّر (¬5)، فأخذوا بطن الوادي، ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- في كتيبته، فرآني فقال: "يا أبا هريرة": قلت: لبيك يا رسول الله، قال: "اهتف في بالأَنْصار، ولا يأتني إلّا أَنصاري"، قال: فهتفت بهم، فجاءوا حتى طافوا به، وقد وبَّشَت (¬6) قريش أوباشًا (¬7) وأتباعًا، فقالوا: نقدم هؤلاء، فإنْ كان لهم شيءٌ كنّا معهم، كان أصيبوا أَعطَيْنا سؤلنا، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- للأنصار حين أطافوا به: "ترون إلى أوباش قريش وأتباعهم؟ -ثمّ قال بيديه إحداهما على الأخرى يضرب ظهر كفه على بطن كفه اليسرى- احصدوهم حصدًا حتى توفوني بالصفا"، قال: فانطلقنا، فما شاء أحد منا أنْ يقتل أحدًا منهم إلّا قتله، وما أحدٌ منهم يوجه إلينا شيئًا، قال: فقال أبو سفيان: يا رسول الله أُبيحت خضراءُ قريش بعد اليوم، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن"، قال: فغلّق النّاس أبوابهم (¬8)، قال:
-[410]- فأقبل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حتى استلم الحجر وطاف بالبيت، فأتى على صنم إلى جنب البيت يعبدونه في يده قوس وهو آخذ بسِيَة (¬9) القوس، فجعل يطعن بها في عينيه، ويقول: {وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا} (¬10)، حتى فرغ من طوافه، ثمّ أتى الصفا، فعلاها حيث ينظر إلى البيت فرفع يده (¬11)، فجعل يحمد الله ويذكره، ويدعو بما شاء الله أن يدعوه، والأنصار تحته، قال: يقول: الأنصار بعضهم لبعض: أَمّا الرجل فأدركته رغبة في قرابته ورأفة بعشيرته، قال أبو هريرة: وجاء الوحي، قال: وكان إذا جاء الوحي لم يخفَ علينا، فليس أحدٌ من النّاس يرفع رأسه إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حتى يُقضى الوحي، فلمّا قضي الوحي، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "يا معشر الأنصار"، قالوا: لبيك يا رسول الله، قال: "قلتم: أَمّا الرجل فأدركته رغبة في قرابته ورأفة بعشيرته"، قالوا: قد قلت ذلك يا رسول الله، قال: "فما إذًا (¬12)؟ كلّا، إنّي عبد الله ورسولُه، هاجرت إلى الله وإليكم،
-[411]- فالمحيا محياكم، والممات مماتكم"، قال: فأقبلوا إليه يبكون، قال: ويقولون: والله يا رسول الله ما قلنا إلّا الضّنَّ (¬13) بالله ورسوله، قال: "فإن الله تعالى ورسوله يصدِّقانكم ويُعْذِرانكم"، معنى حديثهما واحد (¬14).
¬_________
(¬1) الطيالسي.
(¬2) سليمان بن المغيرة هو موضع الالتقاء مع مسلم.
(¬3) نهاية (ل 5/ 234 /أ).
(¬4) آخر النهار. غريب الحديث للحربي (2/ 577).
(¬5) الحُسَّر: الذين لا دروع عليهم. تفسير غريب ما في الصحيحين (صـ: 127).
(¬6) أي: جمَّعَت. تفسير غريب ما في الصحيحين (صـ: 367).
(¬7) الأوباش: الأخلاط من الناس. غريب الحديث لأبي عبيد (3/ 189).
(¬8) نهاية (ل 5/ 234 / ب).
(¬9) أي: طرف القوس. تفسير غريب ما في الصحيحين (صـ: 377).
(¬10) سورة الإسراء آية (81).
(¬11) كذا في: (ك)، (ل)، وعند مسلم (يديه) بالتثنية.
(¬12) في صحيح مسلم (فما اسمي إذًا)، قال القاضي عياض: "يحتمل هذا وجهين: أحدهما أنه أراد -صلى الله عليه وسلم- أني نبي لأعلامي إياكم بما تحدثتم به سرًّا، والثاني: لو فعلت هذا الذي خفتم منه، وفارقتكم ورجعت إلى استيطان مكة لكنت ناقضًا لعهدكم في ملازمتكم، =
-[411]- = ولكان هذا غير مطابق لما اشتق منه اسمي، وهو الحمد؛ فإني كنت أوصف حينئذ بغير الحمد". شرح صحيح مسلم (12/ 131).
(¬13) الضِّن: البخل والشح. تفسير غريب ما في الصحيحين (صـ: 377).
(¬14) أخرجه مسلم: (كتاب الجهاد والسير -باب فتح مكة- ح (84)، 3/ 1405 - 1407).