كتاب مصنف ابن أبي شيبة ط السلفية بالهند (اسم الجزء: 14)

يَا خَدِيجَةُ ، قَدْ خَشِيتُ أَنْ يَكُونَ قَدْ خَالَطَ عَقْلِي شَيْءٌ ، إِنِّي إِذَا بَرَزْتُ أَسْمَعُ مَنْ يُنَادِي ، فَلاَ أَرَى شَيْئًا ، فَأَنْطَلِقُ هَارِبًا ، فَإِذَا هُوَ عِنْدِي يُنَادِينِي ، فَقَالَتْ : مَا كَانَ اللَّهُ لِيَفْعَلَ بِكَ ذَلِكَ ، إِنَّك مَا عَلِمْتُ تَصْدُقُ الْحَدِيثَ ، وَتُؤَدِّي الأَمَانَةَ ، وَتَصِلُ الرَّحِمَ ، فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَفْعَلَ بِكَ ذَلِكَ.
فَأَسَرَّتْ ذَلِكَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ ، وَكَانَ نَدِيمًا لَهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، فَأَخَذَ أَبُو بَكْرٍ بِيَدِهِ ، فَانْطَلَقَ بِهِ إِلَى وَرَقَةَ ، فَقَالَ : وَمَا ذَاكَ ؟ فَحَدَّثَهُ بِمَا حَدَّثَتْهُ خَدِيجَةُ ، فَأَتَى وَرَقَةَ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ ، فَقَالَ وَرَقَةُ : هَلْ تَرَى شَيْئًا ؟ قَالَ : لاَ ، وَلَكِنِّي إِذَا بَرَزْتُ سَمِعْتُ النِّدَاءَ ، فَلاَ أَرَى شَيْئًا ، فَأَنْطَلِقُ هَارِبًا ، فَإِذَا هُوَ عِنْدِي ، قَالَ : فَلاَ تَفْعَلْ ، فَإِذَا سَمِعْتَ النِّدَاءَ فَاثْبُتْ حَتَّى تَسْمَعَ مَا يَقُولُ لَك.
فَلَمَّا بَرَزَ سَمِعَ النِّدَاءَ : يَا مُحَمَّدُ ، قَالَ : لَبَّيْكَ ، قَالَ : قُلْ : أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ، ثُمَّ قَالَ لَهُ : قُلَ : {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ، الرَّحْمَن الرَّحِيمِ ، مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} حَتَّى فَرَغَ مِنْ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ ، ثُمَّ أَتَى وَرَقَةَ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ ، فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ : أَبْشِرْ ، ثُمَّ أَبْشِرْ ، ثُمَّ أَبْشِرْ ، فَإِنِّي أَشْهَدُ أَنَّك الرَّسُولُ الَّذِي بَشَّرَ بِهِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلاَمُ : {بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ} ، فَأَنَا أَشْهَدُ أَنَّك أَنْتَ أَحْمَدُ ، وَأَنَا أَشْهَدُ أَنَّك مُحَمَّد ، وَأَنَا أَشْهَدُ أَنَّك رَسُولُ اللهِ ، وَلَيُوشِكُ أَنْ تُؤْمَرَ بِالْقِتَالِ ، وَلَئِنْ أُمِرْتَ بِالْقِتَالِ وَأَنَا حَيٌّ لأُقَاتِلَنَّ مَعَك ، فَمَاتَ وَرَقَةُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم : رَأَيْتُ الْقَسَّ فِي الْجَنَّةِ ، عَلَيْهِ ثِيَابٌ خُضْرٌ.

الصفحة 293