كتاب التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار (اسم الجزء: 14)
قالوا: وأمّا قولُ الله عزَّ وجلَّ: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ}. فهذه كنايةٌ عن الكُفرِ وتطهيرِ القلبِ منه، ألا ترَى أنه عطَف على ذلك قولَه عزَّ وجلَّ: {وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ} [المدثر: ٥]، يعني: الأوثان، فكيفَ يأمرُه بتطهيرِ الثيابِ قبلَ تركِ عبادةِ الأوثان؟ قالوا: والعربُ تقول: فلانٌ نقيُّ الثوب، وطاهرُ الجَيْب. إذا كان مسلمًا عفيفًا؛ يَكنُون بذلك عن سلامتِه، ولا يُريدُون بذلك غَسْلَ ثوبِه من النجاسة.
قالوا: ويَبعُدُ أن يكونَ الله عزَّ وجلَّ يَعطِفُ النهيَ عن عبادةِ الأوثانِ على تطهيرِ الثيابِ من النجاسات.
قالوا: ودليلُ ذلك أن هذه السُّورةَ نزَلت قبلَ نُزول الشرائع؛ من وضوءٍ وصلاةٍ وغيرِ ذلك، وإنما أُريدَ بها الطهارةُ من أوثانِ الجاهليةِ وشِرْكِها، ومن الأعمالِ الخبيثة.
حدَّثنا عبدُ الوارث (¬١)، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ دُحيم، قال: حدَّثنا إبراهيمُ (¬٢)، حدَّثنا إسماعيلُ، قال: حدَّثنا أبو بكرِ بنُ أبي شيبة (¬٣) وعليُّ بنُ عبدِ الله ومحمودُ بنُ خِداش، قالوا: حدَّثنا جريرُ بنُ عبدِ الحميد، عن منصور، عن أبي رَزين في قوله: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ}. قال: عملَك أصلِحْه. قال: كان الرجلُ إذا كان حَسَنَ العمل، قيل: فلانٌ طاهرُ الثياب.
قال: وحدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ سعيد، عن ابنِ جُريج، قال: حدَّثنا عطاءٌ، عن ابن عباس قوله: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ}. قال في كلام العرب فلان نَقِيّ الثِّياب (¬٤).
---------------
(¬١) هو عبد الوارث بن سفيان بن جبرون.
(¬٢) هو إبراهيم بن حمّاد بن إسحاق ابن أخي إسماعيل بن إسحاق القاضي.
(¬٣) في المصنَّف (٣٦٠٦٦)، ورجال إسناده ثقات. منصور: هو ابن المعتمر.
(¬٤) أخرجه أبو داود في الزُّهد (٣٤٥)، وابن جرير الطبري في تفسيره ٢٣/ ٤٠٦، وابن المنذر في الأوسط ٢/ ٢٦٠ (٦٨٥)، والحاكم في المستدرك ٢/ ٥٠٦ من طرق عن عبد الملك بن جريج، به. وإسناده صحيح.