كتاب التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار (اسم الجزء: 14)

عن عامرِ بنِ سعد، عن سعدِ بنِ مالك، أنه خطَب امرأةً وهو بمكّةَ مع رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: ليت عندي مَن رآها ومَن يُخبرُني عنها. فقال رجلٌ مُخنَّثٌ يُدعى هيتٌ: أنا أنعتُها لك؛ إذا أقبلَت قلت: تمشي على ستٍّ. وإذا أدبرَت قلت: تمشي على أربع. فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "ما أرى هذا إلا مُنكرًا، ما أُراه إلا يعرفُ أمرَ النساء". وكان يدخلُ على سَودة، فنهاه أن يدخُلَ عليها، فلما قدِم المدينةَ نفاه، فكان كذلك حتى أُمِّر عمرُ فجَهِد (¬١)، فكان يُرخِّصُ له يدخلُ المدينةَ يومَ الجمعةِ فيتصدَّقُ؛ يعني يسألُ الناس. قاله ابنُ وَضّاح.
وأما الواقديُّ (¬٢) وابنُ الكلبيِّ، فإنهما قد ذكَرا أن هيتًا المُخنَّثَ قال لعبدِ الله بنِ أبي أميةَ المخزوميِّ، وهو أخو أمِّ سَلَمةَ لأبيها، وأمُّه عاتكةُ عمَّةُ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، قال له وهو في بيتِ أختِه أمِّ سَلَمةَ ورسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يسمعُ: إن افتتَحتم الطائف، فعليك بباديةَ ابنةِ غيلانَ بنِ سَلَمةَ الثقفيِّ؛ فإنها تُقبلُ بأربع، وتُدبرُ بثمان، مع ثغرٍ كالأُقْحوان (¬٣)، إن جلَست تبنَّت، وأن تكلَّمت تغنَّت، بينَ رجلَيها مثلُ الإناءِ المَكْفوء، وهي كما قال قيسُ بنُ الخطيم (¬٤):
تَغْترقُ الطَّرْفَ (¬٥) وهْي لاهيةٌ ... كأنما شَفَّ وجهَها نُزُفُ (¬٦)
---------------
(¬١) في الأصل: "فجُلد"، وهو خطأ ظاهر.
(¬٢) ينظر: المغازي له ٣/ ٩٣٣.
(¬٣) الأُقْحُوان: نبتٌ طيِّب الريح، حواليه ورقٌ أبيض، قال الأزهريُّ: له نَوْرٌ أبيضُ كأنّه ثغْرُ جاريةٍ حديثة السِّنّ. ينظر: تهذيب اللغة له ٥/ ٨٢، والصحاح (قحا).
(¬٤) في ديوانه، ص ٥٤ - ٥٧، وفيه تقديم البيت الأول على الثاني. كما في المغازي للواقدي ٣/ ٩٣٤.
(¬٥) قوله: "تغْتَرِقُ الطّرْفَ" الاغتراق: مثل الاستغراق، والطَّرْفُ هاهنا: النَّظَر لا العين، يقال: طرَفَ يطْرِف طرْفًا: إذا نظَر. أراد: أنها تستميل نظَر الناظرينَ إليها لحُسْنِها، وهي غير مُحتفِلَة، ولا عامدة لذلك، ولكنها لاهية غافلة، وإنما يفعل ذلك حُسْنُها. قاله الأزهري في تهذيب اللغة ٨/ ٣٤.
(¬٦) قوله: "كأنما شفَّ وجْهَها نُزْفُ" الشَّفُّ: الزيادة والفَضْل. والنُّزْف في الأصل: الجُرْح الذي ينزِف عنه دمُ الإنسان، والمراد هنا: أنَّ هذه الصفات تزيد في رقّة محاسنها فتبدو كأنّ دمها منزوف. ينظر: تهذيب اللغة للأزهري ١١/ ١٩٤ و ١٣/ ١٥٤.

الصفحة 280