كتاب التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار (اسم الجزء: 14)
عن الأرقم بنِ شُرَحْبيل، عن ابنِ عباس، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - انتهى إلى أبي بكرٍ وهو يؤُمُّ الناس، فجلَس إلى جَنْبِ أبي بكرٍ عن يمينِه، وأخَذ من الآيةِ التي انتهَى إليها أبو بكر، فجعَل أبو بكرٍ يأتمُّ بالنبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، والناسُ يأتمُّون بأبي بكر (¬١).قال أبو عُمر: قد قال أبو إسحاقَ المَرْوزيُّ (¬٢): مَن جعل أبا بكرٍ المقدَّم، وأنكَر تقدُّمَ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - في تلك الصلاة، زعَم أن تقدُّمَ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - خلافُ سُنَّتِه - صلى الله عليه وسلم -، وأن قيامَ أبي بكر إلى جنْبِه كذلك أيضًا ليس معروفًا من سنَّتِه ولا معنى له.
قال أبو إسحاق: وهذا خطأٌ من قائله؛ لأنَّ قيامَ أبي بكر إلى جنْبِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - له معنًى حسنٌ، وهو أن الإمامَ يحتاجُ إلى أن يسمعَ الناسُ تكبيرَه، ويحتاجُ إلى أن تظهرَ لهم أفعالُه، ويرَى قيامُه وركوعُه؛ ليقتدوا به، فلمّا ضعُف النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك، أقام أبا بكرٍ إلى جنبِه لينوبَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في إسماعِهم تكبيرَه، ورؤيتِهم لخفضِه ورفعِه؛ ليعلموا أنه يفعَلُ ذلك بفعلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، كما يُفعلُ في مساجدِ الجماعات؛ أن يُقامَ فيها مَن يرفعُ صوتَه بالتكبيرِ لعجزِ الإمام عن إسماعِ جماعتِهم، فهذا المعنى في قيام أبي بكرٍ خلفَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وقد مضَى القولُ في خلافةِ أبي بكرٍ فيما تقدم من حديثِ هشام بنِ عُروة في هذا الكتاب (¬٣)، والحمدُ لله.
---------------
(¬١) أخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى ٢/ ٢٢١، وأحمد في المسند ٣/ ٤٨٨ (٢٠٥٥) عن يحيى بن زكريّا بن أبي زائدة، به. حديث صحيح، رجاله ثقات، ولكن رواية زكريا بن أبي زائدة عن أبي إسحاق: وهو عمرو بن عبد الله السَّبيعي بأخرة بعد اختلاطه، إلا أنه متابعٌ، تابعه إسرائيل كما في الرواية السالفة، وينظر فيها ما قيل في رواية أبي إسحاق عن أرقم بن شرحبيل.
(¬٢) هو إبراهيم بن أحمد المروزيّ، شيخ الشافعيّة، شرح المذهب ولخّصه، وانتهت إليه رئاسة المذهب، توفي سنة ٣٤٠ هـ. (تهذيب الأسماء واللغات ٢/ ١٧٥، ووفيات الأعيان ١/ ٢٦، وتاريخ الإسلام ٧/ ٧٣٥).
(¬٣) سلف في أثناء شرح الحديث العاشر له عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها، وهو في الموطأ ١/ ٢٤٢ (٤٧٣).