كتاب التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار (اسم الجزء: 14)

قال أبو عُمر: أما قوله: "ولا ينفعُ ذا الجَدِّ منك الجَدُّ". فالروايةُ فيه بفتح الجيم، لم أعلَمْ عن مالكٍ في ذلك خلافًا، وقد رُويَ بكَسْر الجيم.
فأمّا "الجَدُّ" بفتح الجيم: فهو الحظُّ، وهو الذي يقال له: البَخْتُ. عند العامّة، يقولون: بَخْتُ فلانٍ خيرٌ من بختِ فلان. والعربُ تقول: جَدُّ فلانٍ أحظَى من جَدِّ فلان. ومنه قولهم: اسع بجَدٍّ لا بكَدٍّ. وقال الشاعر:
وبالجَدِّ يسعَى المرءُ لا بالتَّقَلُّبِ (¬١)
وقال أبو عُبيد (¬٢): المعنى في هذا الحديث: ولا ينفعُ ذا الغِنَى منك غِناهُ، إنما ينفعُه طاعتُك والعملُ بما يقرِّبُ منك. واحتَجَّ بقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: "قُمْتُ على بابِ الجنّةِ فإذا عامّةُ مَن دخلَها الفقراء، وإذا أصحابُ الجَدِّ محْبوسونَ" (¬٣). يريد:
---------------
= روى له البخاري مقرونًا بغيره، ومسلم في المتابعات كما هو مبيَّنٌ في تحرير التقريب (٦١٨٨)، وأبو سلمة: هو ابن عبد الرحمن بن عوف، ثقة.
وحديث المسح على الخفّين الذي أشار إليه أبو حاتم وأبو زرعة الرازيّان عند النسائي (١٧)، وفي الكبرى ١/ ٧٩ (١٦) من طريق إسماعيل بن جعفر المدنيّ عن محمد بن عمرو بن علقمة، به.
(¬١) هذا عجز بين أورده أبو هلال العسكري في جمهرة الأمثال ١/ ١٢٩ دون عزوٍ لقائل معيَّن، وصدره:
تقلَّبْتُ إن كلُّ التقلُّبِ نافِعي
وأورده المصنِّف في بهجة المجالس ١/ ٣٨، وصدرُه:
تطلَّبْتُ حتَّى لم أجِدْ مُتطلَّبًا
وآخِر عجزه فيه "بالتطلُّب" بدل: "بالتقلُّب".
(¬٢) في غريب الحديث له ١/ ٢٥٧.
(¬٣) أخرجه أحمد في المسند ٣٦/ ١١٥ - ١١٦ (٢١٧٨٢)، والبخاري (٥١٩٦) و (٦٥٤٧)، ومسلم (٢٧٣٦)، والنسائي في الكبرى ٨/ ٣٠١ (٩٢٢٠) و ١٠/ ٣٧٥ (١١٧٥٦) و ١٠/ ٣٩٩ (١١٨٢٨) من حديث أبي عثمان النَّهديّ عبد الرحمن بن مُل، عن أسامة بن زيد رضي الله عنه مرفوعًا، وتمامه: "غير أنّ أصحاب النار قد أُمِرَ بهم إلى النار، وقُمْتُ على باب النار، فإذا عامّةُ مَن دخلها النساءُ".

الصفحة 454

Back to Main
Last Page
Next Page
Previous Page
First Page
Download as PDF
Show as text