كتاب سلسلة ومضات إعجازية من القرآن والسنة النبوية (اسم الجزء: 14)

ثانيا: المغني وهو إما ذكر أو أنثى: فالذكر .. يجوز أن يغني للذكور إذ لا تحصل بصوته فتنة لهم إذا كان غناؤه من النوع الحسن .. وأما المرأة .. يجوز أن تغني للنساء لأنه لا يحصل بصوتها فتنة لهن ولا سيما إذا كانت جارية «1» صغيرة وكان الغناء من النوع الحسن.
فقد روى البخاري عن عائشة رضي اللّه عنها قالت: «دخل عليّ أبو بكر رضي اللّه عنه وعندي جاريتان تغنيان بغناء يوم بعاث فانتهرني وقال (مزمارة الشيطان عند النبي صلّى اللّه عليه وسلّم) فأقبل عليه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال (دعهما) فلما غفل غمزتهما فخرجتا» رواه البخاري (باب الحراب والدرق يوم العيد).
أما غناء الجنس لغيره، كأن تغني المرأة للرجال أو للرجال والنساء أو الرجل للنساء كما في الوسائل الصوتية والمرئية الآن فعلى من يرى أن صوت المرأة عورة وهي رواية عن الإمام احمد والمرجوع عند الحنفية والمشهور لدى الإمامية فإنها آثمة إذا غنت وحرام الاستماع إليها .. وأما على من يرى أنه ليس عورة وهم الجمهور ففيه تفصيل:
إن غنت بصوت مرقق وخاضع وفيه تليّن وتميّع تستميل به الرجال ويحصل فتنة حرّم عليها الغناء، وان أظهرته بشكل طبيعي وبصوت غليظ وكان من النوع الحسن فلا أرى مانعا من ذلك لأنه لا يثير الغرائز وكذا حكم الاستماع إليه إن استمع إليه ببراءة وعدم طمع فلا مانع. والدليل على ذلك قوله تعالى .. فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ ... ، (الأحزاب: من الآية 32)، ولم يقل ولا تقلن بل قال لا تخضعن بالقول، وبالنسبة للرجل جعل المحذور الطمع الذي في قلبه ويعني به الافتتان والغريزة الجنسية.
هذا التفصيل إذا خلا من المعازف أما إذا اقترنت به المعازف (كالموسيقى) المهيجة فانه حرام لغيره استماعه لاقترانه بمحرم .. ومن أدلة تحريم المعازف ... ما روى البخاري - في باب ما جاء من يستحل الحر - عن أبي مالك الأشعري انه سمع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يقول:
«ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر - بكسر الحاء وتخفيف الراء أي الفرج - والحرير والخمر والمعازف» .. ووجه الاستدلال به أن المعازف محرمة واستحلالها كفر
______________________________
(1) الجارية: هي العبدة الصغيرة دون البلوغ وسميت بذلك لكثرة جريانها بالذهاب والإياب.

الصفحة 72