كتاب اللباب في علوم الكتاب (اسم الجزء: 14)

المعنى كقول نوح - عليه السلام) - {قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَاراً فَلَمْ يَزِدْهُمْ دعآئي إِلاَّ فِرَاراً} [نوح: 5 - 6] فكما أن المقصود من هذا إنزال العذاب فكذا هنا، فكيف يليق هذا بمن وصفه الله بالرحمة في قوله {وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107] .
فالجواب: أن نوحاً - عليه السلام - لما ذكر ذلك دعا عليهم وأما محمد - عليه السلام - لما ذكر هذا ما دعا عليهم بل انتظر، فلما قال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً} (من المجرمين) كان ذلك كالأمر له بالصبر على ذلك وترك الدعاء عليهم (فافترقا) . فإن قيل: قوله: «جعلنا» صيغة تعظيم، والعظيم إذا ذكر نفسه في معرض التعظيم، وذكر أنه يعطي، فلا بد وأن تكون العطية عظيمة كقوله: ولقد آتيناك سبعاً من المثاني والقرآن العظيم وقوله: «إنا أعْطَيْنَاكَ» ، فكيف يليق بهذه الصيغة أن تكون تلك العطية هي العداوة التي هي منشأ الضرر في الدين والدنيا؟
فالجواب: خلق العدو تسبب لازدياد المشقة التي هي موجبة لمزيد الثواب.
قوله تعالى: {وَقَالَ الذين كَفَرُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ القرآن} الآية.
هذه شبهة خامسة لمنكري النبوة؛ فإن أهل مكة قالوا: تزعم أنك رسول من عند الله، فهلا تأتينا بالقرآن جملة (واحدة) ، كما أتي موسى بالتوراة جملة، وكما أتي عيسى بالإنجيل جملة، وداود بالزبور. قال ابن جريج: من أوله إلى آخره في ثنتين أو ثلاث وعشرين سنة. و «جملة» حال من «القرآن» ؛ إذ هي في معنى مجتمعاً.
قوله: «كذلك» الكاف إما مرفوعة المحل، أي: الأمر كذلك، و «لِنُثَبِّتَ» علة

الصفحة 526