كتاب التوضيح لشرح الجامع الصحيح (اسم الجزء: 14)

مالك! ما كنت هكذا، وإن كنت لحسن الطلب. قال: كنت إذ ذاك على دينك وأما اليوم فإني على الإسلام. قال: أفلستم تزعمون أن في الجنة ذهبًا وفضة وحريرًا؟ قال: بلى. قال: فأخرني حتى أقضيك في الجنة -استهزاءً- فوالله إن كان ما تقول حقًّا إني لأفضل فيها نصيبًا منك. فأنزل الله الآية (¬1).
وهذا الباب كالباب قبله أن الحداد لا تضره مهنته في صناعته إذا كان عدلًا.
قال أبو العتاهية:
ألا إنما التقوى هو العز والكرم ... وحبك للدنيا هو الذل والعدم
وليس على حر تقي نقيصةٌ ... إذا أسس التقوى وإن حاك أو حجم
وفيه: أن الكلمة من الاستهزاء قد يتكلم بها المرء فيكتب الله لربها سخطه إلى يوم القيامة (¬2). ألا ترى وعيد الله على استهزائه بقوله {سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ العَذَابِ مَدًّا (79) وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا (80)} [مريم: 79، 80] يعني من المال والولد بعد إهلاكنا إياه. {وَيَأتِينَا فَرْدًا} أي: نبعثه وحده تكذيبًا لظنه.
وكان العاصي بن وائل لا يؤمن بالبعث فلذلك قال له خباب: (والله لا أكفر بمحمد حتى تموت ثم تبعث) (¬3). ولم يرد خباب أنه إذا بعثه الله بعد الموت أن يكفر بمحمد لأنه حينئذٍ {يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ} [الحجر: 2]، ويتمنى العاصي بن وائل وغيره أن لو كان ترابًا ولم يكن كافرًا وبعد البعث يستوي يقين المكذب به مع يقين المؤمن
¬__________
(¬1) "أسباب النزول" ص 310 (612).
(¬2) سيأتي برقم (6477 - 6478) ما في معنى كلام المصنف هذا فانظره.
(¬3) سيأتي برقم (2425) كتاب: البيوع، باب: التقاضي.

الصفحة 193