كتاب التوضيح لشرح الجامع الصحيح (اسم الجزء: 14)

وقال ابن التين في قوله: (كانوا يشترون الطعام من الركبان على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيبعث عليهم من يمنعهم أن يبيعوه حيث اشتروه حتى ينقلوه حيث يباع الطعام): هذا للرفق بأهل السوق. ومعناه: أنهم لم يتلقوا الركبان لعلهم قدموا معهم، أو أمروا بهم أو لقوهم من غير قصد التلقي، ويدل عليه اشتراء النبي - صلى الله عليه وسلم - من جابر وعمر (¬1). وهذا الحديث أبين ما روي عن ابن عمر في هذا، وقد روى مالك عنه: كانوا يشترون الطعام فيبعث إليهم من يأمرهم بانتقاله (¬2)، فتأول قوم ذلك أنهم أمروا بالانتقال ليوسعوا على أهل الأسواق، وتأوله قوم على أن الجزاف من الطعام لا يباع حتى ينقل، وهذا قول أبي حنيفة والشافعي (¬3)، واختلف قول مالك في استحباب ذلك، فعنه في "المدونة": لا بأس ببيعه قبل قبضه (¬4). قال القاضي في "إشرافه": إذا خلا البائع بينه وبينه، وعنه في "العتبية" كراهة بيعه حتى ينقل، وبه قال ابن حبيب وابن الجلاب. وهذا الحديث هنا مبين أنهم كانوا يشترون من الركبان. وقيل: إنما منع من بيع الجزاف قبل نقله؛ لئلا يشترى منه في باعه فيكون دراهم بدراهم أكثر منها (¬5).
¬__________
(¬1) حديث جابر سلف برقم (2097) كتاب: البيوع، باب: شراء الدواب والحمير.
وحديث عمر سيأتي برقم (2115) كتاب: البيوع، باب: إذا اشترى شيئًا فوصب من ساعته.
(¬2) "الموطأ" ص 397.
(¬3) انظر: "شرح معاني الآثار" 4/ 40، "أحكام القرآن" للجصاص 1/ 463، "المجموع" 9/ 326.
(¬4) "المدونة" 3/ 170.
(¬5) انظر: "المنتقى" 4/ 280، 284.

الصفحة 289