في أثمان السلعة، بخلاف تولي البدوي ذلك بنفسه، فربما سأل أقل من سؤال الحضري وينتفع بذلك أهل الحضر، ولم يزل - عليه السلام - ينظر للعامة على الخاصة، فيريد البخاري على هذا التأويل أن ترك السمسرة على هذا التأويل، وترك بيع الحاضر للبادي من النصيحة للمسلمين.
قال الطحاوي: فعلمنا من النهي أنَّ الحاضر إنما نهي أن يبيع للبادي؛ لأنَّ الحاضر يعلم أسعار الأسواق فيستقصي على الحاضرين، فلا يكون لهم في ذلك ربح، وإذا باعهم أعرابي على غرته وجهله بالأسعار ربح عليه الحاضرون، فأمر - عليه السلام - أنْ يخلي بين الأعراب والحاضرين في البيوع (¬1).
واختلف العلماء في ذلك، فأخذ قوم بظاهر الحديث، وكرهوا بيع الحاضر للبادي، روي ذلك عن أنس وأبي هريرة وابن عمر (¬2)، وهو قول مالك (¬3) والليث والشافعي (¬4) ورخص فيه آخرون، روي ذلك عن عطاء كما ذكره البخاري (¬5)، ومجاهد قال: إنما نُهي عنه في زمانه فأما اليوم فلا (¬6). وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، وقالوا: قد عارض هذا الحديث حديث: "الدين النصيحة" لكل مسلم (¬7)، فيقال لهم: هذا عام وما نحن
¬__________
(¬1) "شرح معاني الآثار" 4/ 11.
(¬2) رواه ابن أبي شيبة 4/ 352 (20892)، عن أنس.
وسيأتي قريبًا (2159، 2161 - 2162) عن ثلاثتهم. مرفوعًا.
(¬3) "بداية المجتهد" 2/ 134.
(¬4) "مختصر اختلاف العلماء" 3/ 65 - 66.
(¬5) ورواه عنه عبد الرزاق في "المصنف" 8/ 201 (14877). وبنحوه ابن أبي شيبة 4/ 352 (20896).
(¬6) رواه عنه ابن أبي شيبة 4/ 352 (20891).
(¬7) رواه مسلم (55) كتاب: الإيمان باب: بيان أن الدين النصيحة.