كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 32)
"""""" صفحة رقم 100 """"""
الظاهر قبل ذلك ، ولما اعتقل مخدومه الأمير بدر الدين بيسري في أوائل الدولة
المنصورية ضبط موجوده وخدم أولاده ورباهم وحفظهم وكانوا ستة ، وأنفق عليهم
أمواله ، ولازم باب أستاذه في مدة اعتقاله ، ورغب السلطان الملك المنصور في
استخدامه ورتبه في جمداريته ، ووعده بالإمرة ، وأسكنه بالقلعة فاستعفى من ذلك
وكره مفارقة باب أستاذه والاشتغال عن حفظ أولاده ، ولم يزل يتنصل من الخدمة
حتى أعفي منها ، وكان إقطاعه في جنديته أمير من خاص جماعة من الأمراء ، قال
لي يوما بدمشق وهو أمير تسعة وستين فارسا : وددت أن إقطاعي الآن وإقطاع
أصحابي نظير إقطاعي في الجندية فسألته عن متحصل إقطاع جنديته ، فأخبرني أنه
كان يحصل له منه لخاصة ولأربعة أتباع في كل سنة مائة ألف درهم وخمسة آلاف
درهم وخمسة آلاف إردب غلة ومات رحمه الله تعالى وعليه جملة من الديون ،
صرفها في المكارم ومحاسنه رحمه الله كثيرة .
وتوفي الأمير ركن الدين بيبرس العجمي الجمدار الصالحي النجمي المعروف
بالجالق أحد الأمراء الأعيان مقدمي الألوف بدمشق وكانت وفاته بظاهر الرملة في
العشر الأوسط من جمادى الأولى في خامس عشر الشهر ، وقيل في تاسع عشرة ،
ونقل إلى القدس فدفن هناك ، وكان رحمه الله تعالى أميرا خيرا دينا ، كثير البر ، كان
يرصد من ماله جملة يقرضها للجند عند تجريدهم ، ويصبر عليهم بذلك إلى أن يتيسر
لهم إعادته ، وعدم له جملة كثيرة من أمواله بسبب ذلك ، ولا يرده ذلك عن هذه
الحسنة رحمه الله تعالى .
وفيها - في ثاني جمادى الآخر - كانت وفاة الشيخ الصالح العابد عمر
السعودي بزاويته بالقرافة ، ودفن بها رحمه الله تعالى وفيها توفي الشيخ القاضي
شرف الدين محمد ابن القاضي فتح الدين عبد الله بن محمد بن أحمد بن خالد
القيسراني الحلبي ، أحد أعيان كتاب الدرج بالباب الشريف السلطاني ، وكانت وفاته
بعد العصر من يوم الجمعة ، ودفن يوم السبت بالقرافة الصغرى ، وكان رحمه الله
تعالى رجلا جيدا خيرا دينا متواضعا فاضلا أمينا ، لا يغتاب أحدا من الناس ، ويكره
الغيبة من غيره ، ولا يسمعها ، وسمع الحديث النبوي الكثير ، وكان متمكنا من صناعة
الإنشاء ، طاهر اللسان والقلم كثير الأدب غزير المروءة رحمه الله تعالى .