كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 32)
"""""" صفحة رقم 103 """"""
ذكر توجه السلطان الملك الناصر إلى الكرك وإقامته بها
وفي هذه السنة أظهر السلطان أنه قد عزم على الحجاز الشريف وأشاع ذلك
وأذاعه ، وأظهر الاهتمام به وأمر بجهازه : وتجهز معه جماعة من مماليكه الذين
اختارهم ، وبرز من قلعة الجبل المحروسة في يوم السبت الرابع والعشرين من شهر
رمضان ، وركب الأمراء في خدمته لوداعه فأعاد الأمير سيف الدين سلار وركن الدين
بيبرس إلى قلعة الجبل ، واستقل ركابه ، وعيّد عيد الفطر بالصالحية ثم سار ووصل
إلى قلعة الكرك في يوم الأحد العاشر من شوال منها ولما صعد إلى الكرك تقدمت
الأثقال والبيوتات السلطانية ، ومرت على الجسر الخشب المنصوب على الخندق بباب
القلعة ، ثم مر السلطان على الجسر المذكور وحوله مماليكه ، الخاصكية وأرباب
الوظائف ، وازدحموا على الجسر فضعف عن حملهم فتكسرت أخشابه ، وقد صارت
يدا فرس السلطان داخل باب القلعة وأطراف حوافر رجليه على الجسر فوثب الفرس
به فصادر داخل القلعة ، فسلم وانكسر الجسر بمن كان عليه من الخاصكية فسقطوا إلى
أسفل الخندق ، وهو من أعمق الخنادق وأبعدها ، فسقط بعضهم على بعض فسلموا
كلهم إلا اثنين منهم أحدهما الأمير عز الدين أزدمر الحاج رأس نوبة الجمدارية فإنه
انقطع نخاعه ، وبطل نصفه مما يلي رجليه ، وعاش كذلك إلى أن مات في سنة عشر
وسبعمائة بعد عود السلطان إلى الديار المصرية .
ولما استقر السلطان بقلعة الكرك طلب ورقة بالحاصل بخزانتها من الأموال ،
فكتبت له ورقة بمبلغ مائتي ألف درهم ، وكان الحاصل أضعاف ذلك مرارا وإنما
كتبت بأمر النائب بها خشية أن السلطان يأخذ ما بها من المال بجملته . فلما أخذ
الورقة أظهر ما كان قد أضمره وأخرج النائب بالكرك وهو جمال الدين آقش
الأشرفي ، وجماعة من البحرية ، وجماعة من الرجالة ، واستقر بها بمماليكه الذين
رضيهم ، وأعد ما كان قد استصحبه من شعار السلطنة والبيوتات إلى الديار
المصرية ، والممالك الشامية يعلمهم أنه قد استقر بالكرك ، ونزل عن السلطنة أو أن
يدبروا الأمر على ما يختارونه ، وإنما فعل ذلك لما حصل له من الأمير ابن سيف
الدين سلار وركن الدين بيبرس من المضايقة والحجر والاستبداد بالأمر دونه ففعل
ذلك وتحقق أنهما لا يتفقان بعده ، وأن الأمر يؤول إليه كما يختار ، فوردت
مكاتباته إلى الأمراء بقلعة الجبل في يوم الجمعة الثاني والعشرين من شوال من
هذه السنة .