كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 32)

"""""" صفحة رقم 105 """"""
ولما وصل كتاب الملك المظفر إلى دمشق صحبة من ذكرنا توقف الأمير
جمال آقش الأفرم نائب السلطنة بالشام عن الحلف إلا بعد أن يثبت على حاكم من
حكام المسلمين أن السلطان الملك الناصر نزل عن السلطنة ، وخلع نفسه ، فأحضر
كتاب السلطان الملك الناصر الذي قد كان وصل إليه وشهد جماعة من الموقعين أن
الكتاب بخط القاضي علاء الدين بن الأثير كاتب السلطان وأن الخط الذي أعلاه
خط السلطان الملك الناصر ، فثبت ذلك لذلك وعمل بمقتضاه ، وحلف الأمير جمال
الدين نائب السلطنة بالشام ومن عنده من الأمراء وغيرهم ، وكذلك سائر النواب
بسائر الممالك وأقر الملك المظفر الصاحب ضياء الدين النشائي على وزارته على
عادته - وليس له من الأمر شيء وإنما الأمر لتاج الدين بن سعيد الدولة وزاده بسطة
وتمكينا ، وكان الملك المظفر لا يكتب على تقليد أو توقيع أو كتاب إلا بعد أن
يكتب تاج الدين عليه ما مثاله يحتاج إلى الخط الشريف ورسم للدوادارية أن لا
يقدموا له ما يعلم عليه إلا بعد خط تاج الدين صح المذكور ، وتطاول إلى أن قصد
أن يقف على أجوبة البريد إلى النواب وغيرهم ويكتب عليها فقام القاضي شرف
الدين بن فضل الله صاحب الديوان في ذلك وعرف السلطان ما يترتب على ذلك من
المفسدة ، من إذاعة أسرار السلطنة وإفشائها ، فاستقر الأمر أنه يكتب على ما يتعلق
بالأموال والإقطاعات دون ما هو متعلق بسر الدولة وكتب الملك المظفر للسلطان
الملك الناصر تقليدا بالكرك ، ومنشورا بإقطاع مائة فارس ، ثم أبطل المنشور الأول ،
وكتب منشورا ثانيا بريع المغل ولخاصه ولمائة طواشي وقال فيه بعد إبطال ما كتب
به أولا وسيّر المنشور إلى دمشق وكتب عليه النائب ونزل في الدواوين وكتب عليها
الكتاب ثم لم يلبث الملك المظفر أن كتب إلى الملك الناصر يطلب منه ما عنده
من الأموال الحاصلة بالقلعة ، ويطلب إعادة المماليك السلطانية الذين استقروا عنده ،
وكان عدة من استقر في خدمة السلطان نحو مائتي مملوك ، وطلب أيضا الخيول
التي للسلطان معه ، وقال إن القلاع لا تحتاج إلى كثرة الخيول ولا الأموال ، فأرسل
إليه السلطان الملك الناصر مائتي ألف درهم فأعاد الجواب بتجديد طلب الأموال ،
فكتب إليه : إن خط نائبكم عندي أنه لم يكن بخزانة الكرك غير مائتي ألف درهم
وقد أرسلتها ، ولم يرسل غيرها ، وأهان رسول الملك المظفر وهو الأمير علاء الدين
مغلطاي أبتغلي وأمر بإخراجه ماشيا من قلعة الكرك إلى الغور وتحقق الملك الناصر
سوء رأي الملك المظفر ، وأنه لا يبقى عليه ، فشرع عند ذلك في التدبير ، فكان من
أمره ما نذكره إن شاء الله تعالى .

الصفحة 105