كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 32)

"""""" صفحة رقم 115 """"""
ولما تكامل وصول النواب والعساكر أمر السلطان بالنفقة في سائر الجيوش ،
وابتدى بها في يوم الاثنين مستهل شهر رمضان وجردت العساكر أولا فأولا ، فجرد
السلطان الأمير سيف الدين اسندمر والأمير سيف الدين تمر الساقي وأمرهما أن يتقدما
إلى غزة بمن معهما ، فتوجها ، واستدعى السلطان الأمير سيف الدين كراي المنصوري
- وكان بالقدس كما تقدم ذكر ذلك - فوصل إلى دمشق مسرعا بهمة عالية ، ورغبة في
الخدمة ظاهرة ، فرسم السلطان له ولمن معه من مماليكه بالنفقة ، فامتنع من قبولها
وسأله أن يؤذن له في النفقة من ماله على جماعة من العسكر فشكر له ذلك ، وخلع
عليه وسأل أن يتقدم إلى غزة فأذن له بالتقدم بمن معه ، وجمع طائفة من العرب ونفق
فيهم من ماله ووصل إلى الخدمة السلطانية في ثامن شهر رمضان من الديار المصرية
أربعة من المماليك السلطانية ، وأنهوا له الأحوال على جليتها وأن جماعة من الأمراء
المصريين يترقبون قرب ركاب السلطان ليحضروا إلى الخدمة وأنهم على وجل أن
يعلم بحقيقة حالهم فيقبض عليهم فبرز السلطان بالعساكر والنواب من دمشق في بكرة
نهار الثلاثاء تاسع عشر رمضان ، وصحبه قاضيا القضاة نجم الدين الشافعي وصدر
الدين الحنفي ، والخطيب جلال الدين ، وكاتب الدرج وجماعة من الأعيان .
ووصل إلى الخدمة الشريفة بين منزلتي إربد والقصير قبل وصوله إلى العقبة
جماعة من المماليك السلطانية ، وهم يستحثون ركاب السلطان ، فساق في هذا اليوم
منزلتين في منزلة ، ثم ترادف وصول المماليك وبعض الأمراء إلى أن حل ركاب
السلطان بغزة في يوم الخميس ثامن عشر الشهر ، وكانت المياه بها قليلة والعساكر
ومن انضم إليها قد طبقت الأرض ، وشق على الناس قلة المياه ، وازدحموا عليها ،
فأرسل الله تعالى سحابة في بقية ذلك اليوم فأمطرت مطرا كثيرا غزيرا إلى أن جرت
منه الغدران ، واجتمع منه ببركة بغزة ما شاهدت في اليوم الثاني منه الخيل تسبح في
البركة ، فحصل للعسكر بذلك غاية الرفق .
ولما استقل ركاب السلطان بغزة وصل إلى باب الدهليز الشريف الأمير ركن
الدين بيبرس الدوادار والأمير سيف الدين بهادر آص وكان بهادر آص قد توجه إلى
الملك المظفر في شهر رجب وتأخر عوده فعاد الآن في ليلة السبت العشرين من
الشهر ، وكان وصول الأمير ركن الدين بيبرس الدوادار بمطالعة المظفر يسأل قلعة كما
تقدم ، ثم وصل الخبر بعودته .

الصفحة 115