كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 32)

"""""" صفحة رقم 141 """"""
فطلب موجوده الذي بحلب فمنع من ذلك ، فجاء الأمير حسام الدين مهنا وأرسل
إلى الأمراء في تمكنه من موجوده ، وحلف أنهم متى استمروا على منعه منه هجم
بمجموعة حلب ونهبها ، فمكنوه من أخذ موجوده وانصرف عن حلب ، وقصد جهة
البرية . ثم جهز ولده الأمير عز الدين فرج ونائبه عبدون إلى الديار المصرية ، وجهز
مع ولده جملة من أمواله ، فوصل إلى القاهرة في أواخر ذي الحجة سنة إحدى
عشرة وسبعمائة ، وما علم مراده بذلك ولما وصل ولده عز الدين أحسن السلطان
إليه وأنعم عليه بإمرة عشرة طواشية ، واستقر بالقاهرة بدار أبيه مع أخيه الأمير علاء
الدين علي - وهو أحد أمراء الطبلخاناه بالقاهرة - وبعد أن أرسل قراسنقر ولده
المذكور وأمواله ونائبه أظهر العصيان وتجاهر به ، وخلع الطاعة وكاتب الأمراء ،
وراسل الأمير جمال الدين آقش الأفرم نائب السلطنة بالمملكة الطرابلسية ، وبذل له
الطاعة ، وأن يكون هو صاحب الأمر دون قراسنقر ، وبذل له المال مع ذلك ليعينه
به ، فأرسل إليه مرة ثلاثة آلاف دينار عينا ، ومرة أخرى ، ومرة ثالثة فوافقه على ذلك
وباطنه وكتب إلى السلطان يخبره بما كاتبه به قراسنقر ومهنا ، وبقي ذلك في يسر
حسوا في ارتغاء ، واستمر الأمير جمال الدين يدافع الأيام ، ويقدم رجلا ويؤخر
أخرى ، ويكاتب السلطان ويرد عليه الأجوبة في بقية سنة إحدى عشرة وسبعمائة
وكنت يوم ذاك - ناظر الجيش الطرابلسي وكان لي عليه إدلال كثيرة ، فشرع يكتم
ذلك عني وعن غيري إلا من علم أنه يوافقه على رأيه ويباطنه على مقصده ، وظهر
لي من صفحات وجهه وحركاته واضطراب أمره وشلش بعض مماليكه ما دلني على
مراده ، فدخلت عليه في أثناء ذي الحجة وهو بطرابلس ، وكاشفته ، وتحدثت معه
وحذرته عاقبة هذا الأمر ، وبذلت له النصيحة فكاد يكشف لي عن باطنه ويخبرني
بما أضمره وعزم عليه ، فلحظت بعض أكابر مماليكه وهو يغمزه ويشير إليه أن لا
يفعل ، فعدل عما أراد أن يخبرني به ، ثم قال لي أنا أتحقق محبتك ونصحك ، وأنه
ما حملك على أن ذكرت ما ذكرت إلا الشفقة علي . وجزاني خيرا ، ثم قال لي :
هذا الأمر الذي لحظته وظننته قد طالعت السلطان مما وقع فيه ، وأرسلت إليه ما
ورد عليّ من كتب قراسنقر والعرب ، وهذا الذي يظهر لك أنني أفعله هو عن أمر
السلطان ، وسوف يظهر لك . فما شككت في قوله ، واستكتمني هذا الأمر فكتمته ،
ثم ظهر أن الأمر في باطنه بخلاف ما أظهر لي .
ولما اتصل بالأبواب السلطانية أظهر قراسنقر العصيان جهز السلطان الأمير
حسام الدين قرا لاجين أستاذ الدار والأمير سيف الدين أرغون الدوادار الناصري ،

الصفحة 141