كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 32)
"""""" صفحة رقم 161 """"""
وريحه حتى شرب كثير من الناس من الآبار العذبة والصهاريج التي يخزن بها الماء
والعادة أن يكون ماء النيل في هذا الفصل في غاية الصفاء ، وما علم سبب تغيره ، ثم
عاد إلى صفوه بعد ذلك .
ذكر واقعة الشيخ نور الدين علي البكري
وغضب السلطان عليه وخلاصه
كان سبب ذلك أن الشيخ نور الدين المذكور انتصب بمصر للأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر ، حسبة من غير ولاية سلطانية ولا إذن حكمي ، ورأى أن ذلك
قد تعين عليه ، وهو من أعيان الفضلاء وأكابر المفيدين ، واجتمع معه جماعة من
البكريين وغيرهم يأتمرون بأمره ، فاتصل به في شهر المحرم من السنة أن النصارى
بمصر اجتمعوا في كنيسة من كنائسهم لعيد لهم ، وأنهم استعاروا من الجامع العمري
بمصر قناديل وبصاقات وأطباق وأشعلوها في الكنيسة ، فما صبر على ذلك ، وجاء
إلى الكنيسة ودخلها بمن معه وأخذ ما استعاروه من قناديل الجامع وماعونه ، وأعاد
ذلك إلى الجامع ، وأحضر مباشر الجامع وأنكر عليه إقدامه على عارية ذلك
للنصارى ، فاعتذر أن الخطيب هو الذي أمر بذلك ، فطلبه الشيخ وأنكر عليه ، وكلمه
بكلام غليظ فانضم للخطيب القاضي فخر الدين ناظر الجيش ، وأنهى إلى السلطان
ما فعل الشيخ بالخطيب ، وعرفه أن الخطيب رجل صالح من بيت كبير ، وأن مثله
لا يعامل بمثل هذه المعاملة ، وأنهى إلى السلطان أن الشيخ نور الدين فيه جرأة
عظيمة واطراح للدولة وغض منها ، إلى غير ذلك من الإغراء ، وطلع الشيخ نور
الدين إلى قلعة الجبل في يوم الجمعة الرابع والعشرين من شهر محرم ، واجتمع
بنائب السلطنة وبات عنده ليلة السبت ، واجتمع أيضا بالأمير ركن الدين بيبرس
الأحمدي أمير جاندار وقصد الاجتماع بالسلطان ، وكان طلب في بكرة نهار الخميس
الثالث والعشرين من محرم إلى مجلس السلطان ، وأحضر قضاة القضاة والعلماء ،
فحصل للشيخ قوة نفس ، وكلم السلطان بما لا يليق أن يكلم به الملوك عرفا ، فكان
مما قال له : أنت وليت القبط والمسالمة وحكمتهم في دولتك وأموال المسلمين ،
وأضعت أموال بيت المال في العمائر والإطلاقات التي لا تجوز ، إلى غير ذلك من