كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 32)

"""""" صفحة رقم 162 """"""
الكلام الخشن الذي لا تصبر الملوك على مثله ، فغضب السلطان لذلك غضبا
شديدا ، وانزعج له انزعاجا عظيما ، وظهر منه اضطراب وألفاظ دلت على أنه نقل
إليه عن الشيخ ما أوجب انحماله ، فكان فيما قال السلطان - فيما بلغني - إما أنا
وإما هذا ؟ وقال أما أنا ما أخذت الملك بخلافة وإنما أخذته بسيفي إلى غير ذلك
من الكلام الدال على شدة الحرج ، وقال السلطان للقضاة ، ما الذي يلزم هذا على
تجرئه على ما قال ؟ فقال قاضي القضاة زين الدين المالكي : هذا لا يلزمه عندي
شيء . وقال قاضي القضاة بدر الدين الشافعي يلزمه التعزير بحسب رأي الإمام .
فقال الشيخ لقاضي القضاة بدر الدين كيف تقول هذا القول ؟ وقد صح عن رسول
الله [ ] أنه قال : " أفضل الجهاد كلمة صدق عن سلطان جائر " ورفع بها صوته ،
وأشار بيده إلى جهة السلطان ، بها صوته ، وأشار بيده إلى جهة السلطان فعند ذلك
اشتد غضب السلطان ، ورسم بقطع لسانه ، وما تجاسر أحد أن يشفع فيه إلا الأمير
سيف الدين طوغاي ، فإنه بالغ في أمره حتى نزل وانفصل المجلس ، ورسم عليه ، ثم طلب مرة ثانية قبل العصر من اليوم إلى مجلس السلطان ، فكان المجلس فيما
بلغني أشد من الأول ، حتى هم السلطان بقتله فتقدم إليه الأمير سيف الدين طغاي
أيضا وقال : والله لأقتل السلطان هذا أبدا ويكون الصديق جده خصم السلطان عند
الله يوم القيامة . فاستكان السلطان لما سمع هذا الكلام وأطلقه . وهذا يدل على
حلم السلطان وخيره ، ولولا ذلك لما أبقاه لما خاطبه به . وكان القاضي كريم الدين
وكيل الخاص الشريف أيضا قد اعتنى به عند السلطان موافقة للأمير سيف الدين
طغاي ، وخرج هو والشيخ من مجلس السلطان بعد العصر من اليوم المذكور ، فشرع
بعض الجماعة يقول للشيخ وهو إلى جانب القاضي كريم الدين : ما فعله القاضي
كريم الدين في أمره من الاعتناء به وتسكين حرج السلطان فقال : نعم هو كان من
خيار الظلمة ، وكريم الدين يسمع ذلك فما أجابه عنه بشيء ، واجتمع تحت القلعة
خلق كثير من العوام حتى امتلأت بهم تلك الجهة ، وهم يظهرون الفرح بسلامة
الشيخ نور الدين ، فأشار كريم الدين ألا يتوجه الشيخ إلى مصر بهذا الجمع خشية
أن يشاهد السلطان ذلك فيخرج بسببه . فصرفهم وتوجه من جهة أخرى ، وانقطع

الصفحة 162