كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 32)

"""""" صفحة رقم 178 """"""
ذكر حادثة السيول والأمطار ببلاد الشام
وما أثر ما وقع من العجائب التي لم تعهد
وفي هذه السنة في أوائل صفر وقع بالشام مطر عظيم على جبال قارا وبعلبك ،
وعلى مدينة حمص والمناصفات ، وامتد إلى بلاد حماه ، وحلب ، وسقط مع المطر
برد كبار ، البردة منها قدر النارنجة وأكثر منها وأصغر ، ووزن بعضها بعد يومين أو
ثلاثة فكان وزن البردة ثلاث أواقي بالشامي ، وجرى من ذلك المطر سيل عظيم من
سائر تلك الجبال ، وملأ الأودية وتحامل وجاء على جوسية إلى قرية الناعمة وقدس ،
وانصب في بحرة حمص ففاضت منه ، ومر السيل بقرية جسمل ، وهي بالقرب من
الناعمة ، فاقتلعها بجميع ما فيها من الغلال والحواصل ، وأهلك أهل القرية ، ولم
يسلم منهم إلا خمسة أنفس : ثلاثة رجال وصبي وصبية وكانت سلامتهم من الغرائب ،
وذلك أنهم وجدوا ثورا عائما في السيل فتعلق رجلان بقرنيه ، وركب الصبي والصبية
على ظهره ، ثم أدركه رجل ثالث فتعلق بذنبه ، وحملهم الثور وهو عائم إلى أن انتهوا
إلى أرض جلدة مرتفعة ، فوقفوا عليها وسلموا ، وحمل هذا السيل عدة كثيرة من
خركاهات التركمان ، وبيوت العرب والأكراد الذين بتلك الأرض ، فاحتملهم
وأهلكهم ، وأهلك مواشيهم ، وألقاهم ببحرة حمص ، وعلق خلق كثير من الغرقاء
والدواب بأشجار جوسية لما مر بهم السيل عليها .
وأما البرد الذي سقط فإن معظمه وقع في واد بين جبلين فملأه ، وبقي كذلك
مدة ، وخرج إليه الولاة والقضاة من حمص وبعلبك وشاهدوه ، هكذا نقل الأمير جلال
الدين الصفدي أحد الأمراء البريدية بالديار المصرية ، وكان قد توجه إلى الشام في
بعض المهمات السلطانية ، وهو ثقة فيما ينقله .
وأخبرني الأمير العدل علاء الدين أيدغدي الشهرزوري أستاذ دار الأمير شمس
الدين قراسنقر المصري - وهو عدل ثقة في أجناده - أن كتاب والده شهاب الدين
أحمد وصل إليه من حلب أنه وقع إليه في التاريخ المذكور مطر عظيم على مدينة
غرار ، وهو المطر الذي تقدم ذكره ، وأنه سقط مع المطر سمك كبار وصغار ، وجمع
منه شيء كثير وأكل ، وأن المطر الذي وقع في التاريخ على بلد سرمين وحارم سقط
فيه ضفادع فيها الروح باقية ، وأنه شاهد ذلك .

الصفحة 178