كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 32)
"""""" صفحة رقم 184 """"""
ووصل إلى ذلك الماء في اليوم الخامس ، فوجدوا جفارا واحدا وهو متغير اللون
والطعم والريح ، فبينما هم كذلك إذ قدمت كشافة العسكر وكانوا قد قدموا من
يستقرئ لهم خبر تلك الجبال علهم يجدون ماء ، فأخبروهم أنهم وجدوا مياه
الأمطار بتلك الجبال فرحلوا من هناك وقت المغرب ، وانتهوا إلى مياه قد اجتمعت
من الأمطار ، فأقاموا بها بقية تلك الليلة إلى نصف النهار من اليوم الثاني ، وحملوا
منها وارتحلوا حتى انتهوا إلى سواكن ، فخرج إليهم متملكها بالطاعة والانقياد إلى
أوامر السلطان ، وقرر على نفسه قطيعة يحملها إلى الأبواب السلطانية في كل سنة ،
وهي من الرقيق ثمانون رأسا ، ومن الجمال : ثلاثمائة رأس ، ومن العاج : ثلاثون
قنطارا ، واستقر بسواكن نيابة عن السلطنة ، وأقام العسكر بسواكن ستة أيام ،
واستصحب معه أولاد مهنا ، وكان فضل أحد مقدمي العربان قد التحق بالعسكر فيما
بين سواكن وعيذاب وصحبهم ، وتوجه الجيش خلف العربان ودخلوا البرية يتبعون
آثارهم ، فساروا سبعة عشر يوما ، وفي أثناء مسيرهم ظفروا بطوائف من السودان
بقرب المياه في أودية هناك ، فقتل العسكر منهم ، وأسر وسبى وغنم من مواشيهم
من الأبقار والأغنام ما ارتفق به الجند ، وانتهوا إلى وادي إيتريب في اليوم السابع
عشر ، فأقاموا بها يومين ، ولم يجدوا من سواكن إلى هذا الوادي غير ماء واحد ،
وكان شربهم من مياه الأمطار ، وأمطرت البرية في غير الوقت المعتاد ، لطفا من الله
تعالى بعباده وإبقاء عليهم .
ثم ساروا إلى أن وصلوا إلى أرنيباب وهو جبل صغير على شاطئ نهر أتبرا
وهو فرع من فروع نيل مصر يخرج من بلاد الحبشة ، فأقاموا عليه يوما واحدا ، ثم
توجهوا يتبعون آثار الغرماء وهم يسيرون على شاطئ ذلك النهر ثلاثة أيام والنهر على
يمين العسكر ، ثم فوزوا ودخلوا البرية إلى أرض التاله فانتهوا في اليوم الثالث من يوم
دخولهم المفازة إلى جبل كشلاب وهو جبل أقرع ليس في تلك البرية غيره ، وجبل
ألوس وبين الجبلين واد ، وهذا الجبل هو حد بلاد التاله من الحبشة ، فلما وصلوا إليه
وقد قربوا من الماء ، وهم في أرض صفراء التربة تشبه أرض بيسان من غور الشام ،
وهي كثيرة الأشجار من السنط وأم غيلان وشجر الأهليلج والأبنوس والبقس والحمر
وهو الذي يطرح التمر هندي ، إذ طلع عليهم غبار أمامهم ، فندبوا من يكشف الخبر ،
فعاد الكشافة وأخبروهم أن طائفة من السوادن تسمى هلنكة قد اجتمعوا لقتال العسكر ،
وهم خلق كثير ، فتقدم العسكر إليهم وقد عبؤوا أطلابهم ، ولبسوا لأمة حربهم ،
واجتمع العسكر في أرض خالية من الأشجار ، وهي من طرق السيول وقد صارت مثل