كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 32)

"""""" صفحة رقم 185 """"""
البركة ولها فجة يدخل العسكر منها ، فتبعهم الأثقال فسدت جمال أثقالهم تلك الفجة ،
وهلنكة من أعلا البركة وبأيدي هلنكة الحراب والمزاريق والسيوف ، ومع بعضهم
النبل ، فوقف العسكر وأرسل إليهم : إنا لم نأت لقتالكم وإنما جئنا في طلب طائفة من
العرب أفسدوا وعصوا وقطعوا السبيل ، وأمنوهم ، فردوا الأمان وأبوا إلا القتال ،
فقاتلهم العسكر ورموهم رشقا واحدا واحدا بالسهام ، فقتل من هلنكة أربعمائة وستون
نفرا ، وجرح منهم خلق كثير ، ولم يتمكن العسكر من أسرهم فإنهم كانوا يرون القتل
أحب إليهم من الأسر ، وقتل منهم اثنان من ملوكهم على ما حكاه من اجتمع بهم من
غلمان العسكر ، وكان سبب اجتماعهم بهم وسلامتهم منهم أنهم كانوا انقطعوا وراء
العسكر وناموا ، فلحقهم كشافة هلنكة فمسكوهم وأتوا بهم إلى أكابرهم ، فسألوهم من
أين أنتم ؟ وكان فيهم من يعرف لغة القوم ، فقالوا : نحن تجار أغار علينا هذا العسكر
ونهبونا ، وأخذوا أموالنا وأسرونا . فلما قاتلتموهم هربنا منهم ، فرقوا لهم وأطلقوهم ،
وذكروا لهم عدة من قتل منهم .
ولما انهزمت هذه الطائفة من هلنكة تحصنوا بالأشجار وتركوا أحمالهم فأخذ
العسكر منها ما قدروا على حمله من الذرة - وليس لهم طعام غيرها - وحملوا
حاجتهم من الماء ورجعوا من هناك من يومهم على آثارهم ، وذلك في سادس شهر
ربيع الأول سنة سبع عشرة ، وعادوا حتى انتهوا إلى أرنيباب ، ولم يمكنهم الرجوع
على الطريق الذي دخلوا منه لقلة المياه والأقوات والعلوفات ، فعدلوا إلى جهة
الأبواب من بلاد النوبة ، وأخذوا على نهر أتبرا فساروا على شاطئه عشرين يوما ،
وكانت دوابهم ترعى من الحلفاء ، ثم انتهوا إلى قبالة الأبواب فأقاموا هناك يوما
وتوجه سيف الدين أبو بكر بن والي الليل في الرسلية من جهة متولي الأعمال
القوصية الأمير سيف الدين طقصبا إلى متملك الأبواب ، فخاف ولم يأت إلى
العسكر ، وأرسل إليهم بمائتي رأس بقر وأغنام وذرة ، ونهب العسكر ما وجوده
بتلك الجهة من الذرة ، وتوجهوا إلى مدينة دنقلة في سبعة عشر يوما في أرض كثيرا
الأشجار والأفيلة والقرود والنسانيس والوحش الذي يسمى المرعفيف ، فأقاموا ثلاثة
أيام - وملكها عبد الله برشنبوا كما تقدم - وأضاف العسكر وزودهم ، وتوجهوا إلى
ثغر أسوان ثم إلى مدينة قوصي ، وأقاموا بها خمسة عشر يوما ، وحصل للعسكر في
هذه السفرة مشقة كثيرة وكلفة عظيمة ، حتى أبيعت تطبيقة النعال بينهم بخمسين
درهما ، وأبيع رطل البقسماط بدرهم ونصف إذا وجد ، ونفق أكثر خيل العسكر
وجمالهم ، ورجع أكثرهم إلى ساحل مصر في المراكب لأمور ، منها : عدم الظهر ،

الصفحة 185