كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 32)

"""""" صفحة رقم 191 """"""
إلى الأبواب السلطانية ، فإن الأوراق إنما اشتملت على من لبيت المال نصيب في
ميراثه ، والمطالعة شاملة .
ذكر حادثة الهواء بالبلاد الحلبية وما حصل بسببه
وفي يوم الأربعاء ثالث عشر شهر ربيع الأول في الساعة الثامنة من النهار ثار
بمدينة حلب هواء عظيم مزعج أثار غبارا عظيما ، واقترن ببرق مترادف ورعد قوي ،
وأظلم الجو حتى لا يبصر الإنسان رفيقه إلى جانبه ، ولا يستطيع أن يفتح عينه ، حتى
تيقن الناس الهلاك ، ثم وقع مطر عظيم وبرد مع وجود الهواء ، وامتد الهواء والمطر
على إقليم جبل سمعان غربي مدينة حلب ، فاقتلع أشجارا كثيرة رومانية من البلوط
والزيتون والكروم ، وكان يقتلع الشجرة العظيمة من الأرض بعروقها ، وأهلك من مر
عليه من المسافرين ، وما مر على بلد إلا خربه خرابا فاحشا ، فأخرب عشر قرى
وهي : تذبل ، وكفر عمه وكفر جور ، وبالا ، وأم تحنين ، والربيعية ، ومعاد ، وعين
جارا ، وبراطون والأبزمو وأهلك من بهذه القرى من الناس والدواب والوحش والطير ،
واجتمع من المطر سيل عظيم مر على وادي العسل وهو واد كبير فيه الدرب
السلطاني ، يسلكه المارون من مدينة حلب إلى جميع إقليم جبل سمعان ، وإلى أعمال
حارم وغيرها ، فامتلأ وغرق ما مر عليه من الناس والدواب ، وامتنع من سلوكه مدة ،
وخرج من الهواء المذكور عمود يرمي بشرر من نار ، وجاء إلى كنيسة الربيعية ، وهي
كنيسة قديمة رومانية مبنية بحجارة هرقلية كل حجر منها لا يشيله عشرة من العتالين ،
محكمة البناء ، ودخل العمود إلى هذه الكنيسة واقتلعها من أساسها وحملها في الجو
صعدا مقدار رمية نشاب وأكثر ، وهي بحالها لم يتغير حجر عن حجر ، وشاهدها على
ذلك من سلم من الناس ممن كان خارجا عن هذا العمود من الهواء ، وجعلوا
يستغيثون ويجأرون إلى الله تعالى ، ويسبحونه ويستغفرونه ، ولما انتهت الكنيسة في
العلو إلى هذه الغاية انتقضت أحجارها وتساقطت إلى الأرض ، فمن الحجارة ما غاض
في الأرض وغاب ، ومنها ما غاص نصفه وأقل من ذلك وأكثر ، وبقي مكان أساس
الكنيسة شبه الخنادق . أخبرني بذلك الأمير علاء الدين أيدغدي الشهرزوري المتقدم
ذكره عن كتاب شهاب الدين أحمد ولده إليه ، قال : ولما وصل إليّ كتابه بذلك أعدت
جوابه أسأله عن تحقيق هذا الأمر ، فكتب إليّ : هذا أمر محقق وإن نائب السلطنة جهز
جماعة لكشف هذه الحادثة ، وكان هو ممن ندب لكشف ذلك ، وقد بلغتني هذه
الواقعة من غير الأمير علاء الدين المذكور ، واشتهرت ، وآيات الله تعالى ومعجزاته
كثيرة ، نعوذ بالله تعالى من سخطه ، ونسأله رضاه وعفوه ومغفرته .

الصفحة 191