كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 32)

"""""" صفحة رقم 198 """"""
الحجة علينا بتمكين البسطة وعدم التشاقق في ذلك ومهد لنا من الخير ما على غيرنا
توعر ، وأعد لنا من النصر ما أجرانا فيه على عوائد لطفه ، لا عن مرح في الأرض
ولا عن خد مصعر وألهمنا إعلاء كلمة الإسلام ، وإعزاز الحلال وإذلال الحرام ، وأن
تكون كلمة الله هي العليا وأن لا نختار على الدار الآخرة دار الدنيا ، وأن ندور مع
الحق حيث دار ، ونرغب عن هذه الدار بما أعده الله من جناته في تلك الدار ، فلم
نزل نقيم للدين شعارا ونعفي المنكر ونعلن في النصيحة لله ورسوله ونسرّ إسرارا ،
ونتتبع أثر منكر نعفيه ، وممطول بحقه نوفيه ومعلم قربه نشيده ومخذولا استظهر عليه
الباطل نؤيده ، وذا كربة نفرجها وغريبة فحشاء استطردت بين أدواء الحيل نخرجها
وميتة سيئة تستعظم النفوس زوالها فنجعلها هباء منثورا ، وجملة عظيمة أسست على
غير التقوى مبانيها فيحطمها كرمنا إذا الجزاء عنها كان موفورا .
فاستقصينا ذلك في ممالكنا الشريفة مملكة مملكة واستطردنا في إبطال كل
فاحشة موبقة مهلكة ، فعفينا من ذلك بالديار المصرية ما شاع خبره ، وظهر بين الأنام
أثره ، وطبقت محاسنه الآفاق ولهجت به ألسنة الرعايا والرفاق ، من مكوس أبطلناها ،
وجهات سوء عطلناها ، ومظالم رددناها إلى أهلها ، وظلمة زجرناها عن ظلمها وغيها
وبواق تسامحنا بها وسمحنا وطلبات خففنا عن العباد بتركها وأرحنا ، ومعروفا أقمنا
دعائمه وبيوتا لله عز وجل آثرنا منها كل نائية ، ثم بثثنا ذلك في سائر الممالك
الشامية المحروسة ، وجنينا ثمرات النصر من شجرات العدل التي هي بيد يقظتنا
مغروسة " .
ولما اتصل بعلومنا الشريفة أن بالمملكة الطرابلسية آثار سوء ليست في غيرها
ومواطن فسق لا يقدر غيرنا على دفع ضررها وضيرها ، ومظان آثام يجد الشيطان فيها
مجالا فسيحا ، وقوى لا يوجد بها من كان إسلامه مقبولا ولا من كان دينه صحيحا ،
وخمورا يتظاهر بها ، ويتصل سبب الكبائر بسببها ، وتشاع في الخلائق ، تجاهرا وتشاع
على رؤوس الأشهاد فلا يوجد لهذا المنكر منكرا ، ويحتج في ذلك بمقررات سحت
لا تجدي نفعا ، وتبقى بين يدي آخذها كأنها حية تسعى .
ومما أنهي إلينا أن بها حانة عبر بالأفراح قد تطائر شررها ، وتفاقم ضررها ،
وجوهر فيها بالمعاصي وآذنت - لولا حلم الله وإمهاله - بزلزلة الصياصي وغدت

الصفحة 198