كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 32)
"""""" صفحة رقم 208 """"""
على قبره إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون ) ^ [ التوبة : الآية 84 ] فكيف
بهؤلاء الذين هم مع الزندقة والنفاق يظهرون الكفر والإلحاد ؟
وأما استخدام مثل هؤلاء في ثغور المسلمين أو حصونهم أو جندهم فإنه من
الكبائر ، وهو بمنزلة من يستخدم الذئاب لرعي الغنم فإنهم من أغش الناس للمسلمين
ولولاة أمورهم ، وهم أحرص الناس على فساد المملكة والدولة وهم شر من المخامر
الذي يكون في العسكر ، فإن المخامر قد يكون له غرض ، إما مع أمير العسكر وإما
مع العدو وهؤلاء لهم غرض مع الملة ونبيها ودينها وملوكها وعلمائها وعامتها ،
وخاصتها ، وهم أحرص الناس على تسليم الحصون إلى عدو المسلمين وعلى إفساد
الجند على ولي الأمر وإخراجهم عن طاعته .
ويجب على ولاة الأمور قطعهم من دواوين المعاملة ، ولا يتركون في ثغر ولا
في غير ثغر ، وضررهم في الثغور أشد . وأن يستخدموا بدلهم من يحتاج إلى
استخدامه من الرجال المأمونين على دين الإسلام ، وعلى النصح لله ولرسوله ولأئمة
المسلمين وعامتهم ، بل إذا كان ولي الأمر لا يستخدم من يغشه وإن كان مسلما ،
فكيف يستخدم من يغشه ويغش المسلمين كلهم ؟
ولا يجوز له تأخير هذا الواجب مع القدرة عليه ، بل أي وقت قدر على
الاستبدال بهم وجب عليه ذلك .
وإما إذا استخدموا وعملوا العمل المشروط عليهم فلهم إما المسمى وأما أجرة
المثل ، لأنهم عوقدوا على ذلك ، فإن كان العقد صحيحا وجب المسمى ، وإن كان
فاسدا وجب أجرة المثل ، وإن لم يكن استخدامهم من جنس الإجازة فهو من جنس
الجعالة الجائزة ، لكن هؤلاء لا يجوز استخدامهم فالعقد عقد فاسد فلا يستحقون إلا
قيمة عملهم ، فإن لم يكونوا عملوا عملا له قيمة فلا شيء لهم ، لكن دماؤهم مباحة
وكذلك أموالهم إذا لم يكن لهم ورثة من المسلمين وإن كان لهم ورثة من المسلمين
فقد يقال إنهم بمنزلة المرتدين ، والمرتد هل يكون ماله لورثته المسلمين ؟ فيه نزاع
مشهور . وقد يقال إنهم بمنزلة المنافقين ، والمنافقون يرثهم ورثتهم المسلمون في
أصح القولين لكن هؤلاء المسؤول عنهم لا يكاد يكون لهم وارث من المسلمين وإذا
أظهروا التوبة ففي قبولها منهم نزاع بين العلماء فمن قبل توبتهم إذا التزموا شريعة
الإسلام أقر أموالهم عليهم . ومن لم يقبلها لم تنقل إلى ورثتهم من جنسهم ، فإن
مالهم يكون فيئا لبيت المال ، لكن هؤلاء إذا أخذوا فإنهم يظهرون التوبة إذ أصل