كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 32)

"""""" صفحة رقم 209 """"""
مذهبهم التقية وكتمان أمرهم ، وفيهم من يعرف ومن قد لا يعرف . فالطريق في ذلك
أن يحتاط في أمرهم ، ولا يتركون مجتمعين ، ولا يمكنون من حمل السلاح ، ولا أن
يكونوا من المقاتلة ، ويلزمون بشرائع الإسلام من الصلوات الخمس وقراءة القرآن
ويترك بينهم من يعلمهم دين الإسلام ، ويحال بينهم وبين معلميهم ، فإن أبا بكر
الصديق رضي الله عنه وسائر الصحابة لما ظهروا على أهل الردة وجاؤوا إليه قال لهم
الصديق : اختاروا مني إما الحرب المجلية وإما السلم المخزية ؟ قالوا : يا خليفة رسول
الله هذه الحرب المجلية قد عرفناها ، فما السلم المخزية ؟ قال : تدرون قتلانا ولا
ندري قتلاكم ، وتشهدون أن قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار ، ونغنم ما أصبنا من
أموالكم وتردون ما أصبتم من أموالنا ، وننزع منكم الحلقة والسلاح ، وتمنعون من
ركوب الخيل ، وتتركون تتبعون أذناب الإبل حتى يري الله خليفة رسوله والمؤمنين أمرا
يعذرونكم به فوافقه الصحابة في ذلك إلا في تضمين قتلى المسلمين ، فإن عمر بن
الخطاب رضي الله عنه قال : هؤلاء قتلوا في سبيل الله وأجورهم على الله ؛ يعني هم
شهداء فلا دية لهم فاتفقوا على قول عمر في ذلك .
وهذا الذي اتفق الصحابة عليه هو مذهب أئمة العلماء ، الذي تنازعوا فيه تنازع
فيه العلماء فذهب أكثرهم أن من قتله المرتدون المجتمعون المحاربون لا يضمن كما
اتفقوا عليه آخر ، وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد في إحدى الروايتين ، ومذهب
الشافعي وأحمد في الرواية الأخرى : هو القول الأول . فهذا الذي فعله الصحابة ،
فأولئك المرتدين بعد عودهم إلى الإسلام يفعل بمن أظهر الإسلام والتهمة ظاهرة فيه
فيمنع من أن يكون من أهل الخيل والسلاح والدروع التي يلبسها المقاتلة ، فلا يترك
في الجند كما لا يترك في الجند من يكون يهوديا ولا نصرانيا ، ويلزمون بشرائع
الإسلام حتى يظهر ما يفعلونه من خير أو شر ، من كان من أئمة ضلالهم وأظهر
التوبة أخرج عنهم ، وسير إلى بلاد المسلمين الذين ليس لهم بها ظهور فإما أن
يهديه الله تعالى وإما أن يموت على نفاقه من غير مضرة المسلمين . ولا ريب أن
جهاد هؤلاء وإقامة الحدود عليهم من أعظم الطاعات وأكبر الواجبات ، وهو أفضل
من جهاد من لا يقاتل المسلمين من المشركين وأهل الكتاب فإن جهاد هؤلاء من
جنس جهاد المرتدين ، والصديق وسائر الصحابة بدؤوا بجهاد المرتدين قبل جهاد
الكفار من أهل الكتاب فإن هؤلاء من جنس جهاد المرتدين ، والصديق وسائر
الصحابة بدؤوا بجهاد المرتدين قبل جهاد الكفار من أهل الكتاب ، فإن جهاد هؤلاء
حفظ لما فتح من بلاد الإسلام ، وينبغي أن يدخل فيه من أراد الخروج عنه ، وجهاد

الصفحة 209