كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 32)
"""""" صفحة رقم 223 """"""
ذلك معتقلا بالكرك فرسم بإحضاره وإحضار الأمير سيف الدين كراي فأحضرا وما
شكا ولا شك الناس في الإفراج عنهما ، فاعتقلا بقلعة الجبل ببرج فمات الأمير شمس
الدين الآن رحمه الله تعالى وتوفي قاضي القضاة زين الدين أبو الحسن علي ابن الشيخ
رضي الدين القاسم مخلوف بن تاج الدين أبي المعالي ناهض المالكي النويري
الجزولي ، وكانت وفاته في ليلة الأربعاء الحادي عشر من جمادى الآخرة بمنزله
بالقاهرة ، ودفن في يوم الأربعاء عند الزوال بتربته بسفح المقطع رحمه الله تعالى
ومولده في سنة ست وعشرين وستمائة وكان رحمه الله تعالى كثير المروءة كثير
الاحتمال والإحسان إلى الناس يحمل الجفوة من أصحابه ويصبر منهم على كثير من
الأذى خصوصا من أهل بلده وكانت أفعاله جميلة ، ومقاصده حسنة وولي القضاء
بالديار المصرية في سنة خمس وثمانين وستمائة ، وكانت مدة ولايته ثلاثا وثلاثين سنة
تقريبا ، وعرضت عليه الوزارة في الدولة المنصورية فأباها وتنصل منها كل التنصل
وبالغ في ردها كل المبالغة وانتهى حاله في التنصل منها إلى أن حضر إلى الدركاه
بباب القلعة وقلع طيلسانه وقلع عمامته وفوقانيته ، وبقي بقبع ودلق وهو قائم فقام
الأمراء لقيامه وصاروا حوله حلقة وهم لا يعرفون موجب فعله لذلك ثم جاء نائب
السلطنة الأمير حسام الدين طرنطاي وهو على هذه الصورة فتألم وسأله عن خبره فقال
له : أنا إنما وصلت من بلدي بمثل هذا الملبوس الذي علي ، وأنا اكتسبت بصحبتكم
وخدمة السلطان زيادة على ما جئت به هذا الطيلسان وهذه الجبة والعمامة فإن ضمنت
لي عند السلطان إعفائي من هذا الأمر الذي طلبني بسببه وإبقائي على ما أنا عليه وإلا
فلا أرجع إلى لباس هذا أبدا وأرجع إلى بلدي بهذه الحالة ، فبكي الأمراء وعظموه
وألبسه نائب السلطنة قماشة ، وضمن له صرف الوزارة عنه واندفعت وأمن بذلك غائلة
الأمير علم الدين سنجر الشجاعي فإنه كان إذا ذكر أحد للوزارة أو ذكرها عمل على
هلاكه .
ولما مات قاضي القضاة زين الدين فوض السلطان القضاء بعده لنائبه القاضي
تقي الدين محمد ابن الشيخ شمس الدين أبي بكر بن عتيق الإخنائي .