كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 32)
"""""" صفحة رقم 43 """"""
وأوضح للسلطان أمر الوقف وبينه له ، وقال : إن قاضي القضاة إنما جعل هذا لنفسه
ولأولاده وذريته ولم يجعل للسلطان ولا لعتقائه في ذلك شيئا ، وحسن للسلطان تغيير
كتاب الوقف ، وأن يجعل النظر فيه لعتيقه الطواشي شجاع الدين عنبر اللالا ومن بعده
للأمثل فالأمثل من عتقاء الواقف ، ثم عتقاء والده ؛ ففعل ذلك ، وجعل له أن يتناول
من ريع الوقف المذكور في كل شهر ثلاثمائة درهم نقرة مدة حياته . وجعل لمن
يؤول النظر إليه بعده في كل شهر مائتي درهم ، وأبطل الكتاب الأول وثبت الكتاب
الثاني .
وسألت شهاب الدين بن عبادة عن السبب الحامل له على إخراج النظر عن
قاضي القضاة ونقله إلى غيره . فقال : إنه جعل النظر والتدريس لنفسه ولأولاده من
بعده ، وما جعل لي منه نصيبا ، ولا ذكر لي وظيفة ، وكنت طلبت منه أن يجعلني
مشارفا بشرط الواقف فشح عليّ بذلك ، فأخرجت النظر عنه وعن ذريته .
وقد رأيت أن أذكر ملخص ما تضمنه كتاب وقف القبة والمدرسة ، وما رتب
فيهما فيه من أرباب الوظائف ، وما شرط لهم من المعلوم ، وما شرط عليهم ،
والجهات الموقوفة على ذلك ، وما يتحصل من أجورها في كل شهر وألخص المقاصد فيه مع عدم الإخلال بها ، ولا أحذف منها إلا حشو الكتاب الذي لا يخل
حذفه بالمعنى ، وأورد ذلك بمقتضى كتاب الوقف وارتفاع الجهات الموقوفة بمقتضى
حساب المباشرين ، والذي حملني على ذلك وأوجب لي إيراده في هذا الكتاب مع
ما فيه من الإطالة والخروج عن القاعدة التاريخية ما وقع في مثل ذلك من إخفاء
كتب الأوقاف إذا تطاول عليها المدد ، وبعد العهد بالأوقاف والشروط ، وتداولها
النظار والمباشرون واستولوا على الأوقاف وغيروا المصارف عن شروط الواقفين ،
ونسبوها إلى العادة ، فيخرج عن شرط الواقف إلى رأي المباشرين ، وعادة الصرف .
ثم بعثني على ذلك وأكده عندي ما وقع في هذه المدرسة المباركة في ابتداء أمرها
مع بقاء واقفها - خلد الله سلطانه - وتوفر الداعي على ملاحظتها ، ونصب قضاة
القضاة وأعيان العلماء ونبلاء الفقهاء في دروسها ، ومع ذلك كله حصل الخروج فيها
عن شرط واقفها في كثير من أحوالها ، واختصر المرتب عن شرط الواقف مع توفر
المال وزيادته عن كفاية الشروط ، وإنما ظهر ذلك عند وفاة ناظرها الطواشي شجاع