كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 32)
"""""" صفحة رقم 53 """"""
القلاع ، فإن قبضتم عليهم وأردتم المال بذلوه لكم أو القلاع سلموها إليكم . وشكا
منهم أنهم لا يرجعون إليه ولا يسمعون منه ويخالفونه إذا قصد بذل الطاعة للسلطان ،
أو إرسال الحمول ، ويقولون : إذا حضر العسكر خل بيننا وبينه . فعند ذلك أرسل
الأمراء من أدركهم قبل وصولهم إلى مأمنهم ، وقبضوا عليهم وقتل بقيتهم ، وكان
الذين قبض عليهم ثمانية من أصحاب القلاع المشار إليهم ، منهم أمير اسمه السرمساق
صاحب قلعة بخيمة ، وبقيتهم لكل منهم قلعة . فلما تحقق السرمساق أن صاحب
سيس عمل عليهم أسلم وتلفظ بالشهادتين المعظمتين ، وقال : أنا لي أخ في خدمة
السلطان ، وأنا أسلم قلاعي وألتزم للسلطان بفتح بلاد سيس بألفي فارس من نهر جهان
إلى بلاد قرمان ، فعاد العسكر به وببقية الواصلين ، وكان وصولهم إلى دمشق في
الحادي والعشرين من ذي الحجة ، ورحل العسكر المصري منها في تاسع عشرين
الشهر ، ووصلوا إلى الأبواب السلطانية في المحرم سنة أربع وسبعمائة .
وفي يوم الاثنين تاسع عشر شوال سنة ثلاث وسبعمائة فوضت الوزارة بالديار
المصرية للأمير ناصر الدين محمد الشيخي ، نقل من ولاية الجيزية إليها عوضا عن
الأمير عز الدين أيبك البغدادي ، فأحدث الشيخي مظالم كثيرة ، ولم تطل أيامه .
وفي هذه السنة وصل إلى الخدمة السلطانية من بلاد الشرق الأمير بدر الدين
جنكلي بن شمس الدين المعروف بالبابا ، وهو أحد مقدمي جيوش التتار ، ووصل
معه أحد عشر نفرا من ألزامه ، منهم أخوه نيروز ، ووصل الأمير بدر الدين بأهله ،
وكان مقامه ببلاد آمد وكانت مكاتباته ترد على السلطان ببذل النصيحة للإسلام من مدة
طويلة ، ثم فارق الآن التتار وجاء ، وكان وصوله إلى دمشق في يوم الثلاثاء حادي
عشر ذي القعدة ، ثم توجه منها بمن معه ووصلوا إلى الأبواب السلطانية بقلعة الجبل ،
وأحسن السلطان إليهم ، وشملهم بالخلع والإنعام ، وأمر الأمير بدر الدين جنكلي
بطبلخاناه ، واستمر من جملة الأمراء ، وظهر للسلطان من أدبه وعقله وجميل نيته
وحسن طاعته وصدق إخلاصه في الموالاة والمصافاة ، وعدم اجتماعه واختلاطه بمن
يرتاب منه من أهل الأهواء والفتن ، وغير ذلك من الأوصاف الجميلة ما أوجب ترقيه
وانتقاله إلى إمرة المائة ، وتقدمة الألف ، ثم إلى رتبة الخصوصية والتقريب والدنو ،
والجلوس في مجلس السلطان بالقرب منه ، واستشارته والرجوع إلى كثير من آرائه ،
وهو كذلك إلى الآن .