كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 32)

"""""" صفحة رقم 64 """"""
ذكر ما وقع في هذه السنة بدمشق من الحوادث والولايات
كان مما وقع هذه السنة بدمشق أن نائب السلطنة بها الأمير جمال الدين آقش
الأفرم أمر بعقد مجلس لنجم الدين أبي بكر ابن القاضي بهاء الدين خلكان ، وسماع
ما يدعيه ، وكان قد تكرر منه أنه حكيم الزمان ، وأنه يخاطب بكلام يشبه الوحي
بزعمه ، وذكر ألفاظا يدعي أنه خوطب بها وهي : يا أيها الحكيم افعل كذا ، وأشباه
ذلك ، وادعى أنه قد اطلع على علوم كثيرة ؛ منها : عمل طبل إذا ضرب به انهزم
جيش العدو ، وعمل طلسم إذا كان مع الملك وأحضر إلى مجلسه السم حصل
للملك أعراض ، يعلم ذلك منها ، وأشباه هذا من الأعمال ، فأحضر بين يدي نائب
السلطة وحضر المجلس الشيخ صدر الدين ابن الوكيل والشيخ كمال الدين بن
الزملكاني خاصة ، وطولب بإقامة البرهان على صحة دعواه ، فلم يأت بما يدل
على ذلك ، فاعتذر عنه عند نائب السلطنة أنه من بيت رياسة ، ورجل فقير ، وأنه
قليل الاجتماع بالناس ، وأن هذا الذي يعرض له نوع من الوسواس ، وتاب هو إلى
الله تعالى مما كان يدعيه ، واستمر مدة ثم عاد إلى ما كان عليه من الدعوى فعقد له
مجلس في ثالث شهر رمضان سنة سبع وسبعمائة بدمشق أيضا بحضور نائب السلطنة
المشار إليه وقضاة القضاة والعلماء ، وحصل البحث في أمره فأفتى بعض العلماء
بقتله ، وأفتى بعضهم باستتابته وتعذيره ، فجدد عليه مكتوب بالتوبة عن الكلام في
المغيبات ، واعتنى به الأمير سيف الدين بكتمر الحاجب كما أخبرني فأقامه من
المجلس وقال : هذا رجل مجنون وأرسله إلى البيمارستان النوري ، فأقام به مدة
ثم خرج منه ، ثم عاد إلى ما كان عليه ، وهذا المذكور مستمر على دعواه لا يرجع
عنها إلى سنة خمس وعشرين وسبعمائة ، وهو بالقاهرة لا يزال يذكر هذا القول
ويلهج به ويدعيه وحضر إليّ مرارا ونهيته عنه فلم ينته ولا يرجع ، ويقول : إنه
حكيم الزمان ، وإنه يخاطب بما صورته بيا أيها الحكيم ، ويذكر السلطان الملك
الناصر ويقول : إنه أرسل إليه ، وإنه إذا اجتمع به له من الأوفاق والطلمسات أشياء
كثيرة ذكرها لي يطول شرحها ، وهو يتردد إلى قاضي القضاة بدر الدين بن جماعة

الصفحة 64