كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 32)

"""""" صفحة رقم 70 """"""
ذكر توجه العساكر الشامية إلى بلاد الكسروان
وإبادة من بها وتمهيدها
كان أهل جبال الكسروان قد كثروا وطغوا واشتدت شوكتهم ، وتطرقوا إلى
أذى العسكر الناصري عند انهزامه في سنة تسع وتسعين وستمائة ، وتراخى الأمر
وتمادى وحصل إغفال أمرهم فزاد طغيانهم وأظهروا الخروج من الطاعة ، واغتروا
بجبالهم المنيعة ، وجموعهم الكثيرة ، وأنه لا يمكن الوصول إليهم ، فجهز إليهم
الشريف زين الدين بن عدنان ، ثم توجه بعده في ذي الحجة سنة أربع وسبعمائة
الشيخ تقي الدين ابن تيمية ، والأمير بهاء الدين قراقوش الظاهري ، وتحدثا معهم في
الرجوع إلى الطاعة فما أجابوا إلى ذلك ، فعند ذلك رسم بتجريد العساكر إليهم من
كل جهة ومملكة من الممالك الشامية ، وتوجه نائب السلطنة الأمير جمال الدين
آقوش الأفرم من دمشق بسائر الجيوش في يوم الاثنين ثاني المحرم وجمع جمعا
كثيرا من الرجال فيقال إنه اجتمع من الرجالة نحو خمسين ألفا وتوجهوا إلى جبال
الكسروانيين والجرديين وتوجه الأمير سيف الدين أسندمر بعسكر الفتوحات من الجهة
التي تلي بلاد طرابلس ، وكان قد نسب إلى مباطنتهم ، فكتب إليه في ذلك ، فجرد
العزم وأراد أن يفعل في هذا الأمر ما يمحو عنه أثر هذه الشناعة التي وقعت وطلع
إلى جبل الكسروان من أصعب مسالكه واجتمعت عليهم العساكر فقتل منهم خلق
كثير ، وتبدد شملهم وتمزقوا في البلاد ، واستخدم الأمير سيف الدين أسندمر جماعة
منهم بطرابلس بجامكية وجراية من الأموال الديوانية ، وسماهم رجال الكسروان
وأقاموا على ذلك سنين وأقطع بعضهم أخبارا من حلقة طرابلس ، وتفرق بقيتهم في
البلاد واضمحل أمرهم وخمل ذكرهم ، وعاد نائب السلطنة إلى دمشق في رابع عشر
صفر من السنة وأقطع جبال الكسروانيين والجرديين لجماعة من الأمراء التركمان
وغيرهم منهم : الأمير علاء الدين بن معبد البعلبكي وعز الدين خطاب ، وسيف
الدين بكتمر الخسامي ، وأعطوا الطبلخانات وتوجهوا لعمارة إقطاعهم وحفظ ميناء
البحر من جهة بيروت .
وفي هذه السنة في شهر ربيع الأول نقل الأمير سيف الدين بكتمر الحسامي
الحاجب من الحجبة بدمشق إلى شد الدواوين وأستاذ الدارية بالشام فامتنع من ذلك ثم
ألزم فاشترط شروطا فطولع بها فأجيب إليها وباشر الوظيفة ، وأوقعت الحوطة على
الأمير شرف الدين قيران المشد وفيها أفرج عن الأمير سيف الدين الحاج بهادر الحلبي

الصفحة 70