كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 32)
"""""" صفحة رقم 72 """"""
بسم الله الرحمن الرحيم ما تقول السادة الفقهاء أئمة الدين رضي الله عنهم
أجمعين أن يبينوا ما يجب على الإنسان أن يعتقده ويصير به مسلما بأوضح عبارة
وأبينها من أن ما في المصاحف هو كلام الله القديم أم هو عبارة عنه لا نفسه وأنه
هو حادث أو قديم وأن قوله تعالى : ) الرحمن على العرش استوى ( [ طه : الآية 5 ]
هو استواء حقيقة أم لا ؟ وأن كلام الله عز وجل بحرف وصوت أم كلامه صفة قائمة
لا تفارق وأن الإنسان إذا أجرى القرآن على ظاهره من غير أن يتأول شيئا منه ويقول
أومن به كما أنزل هل يكفيه ذلك في الإعتقاد أم يجب عليه التأويل وأن السائل
رجل متحير لا يعرف شيئا وسؤاله بجواب لين ليقلد قائله افتونا مأجورين رحمكم
الله .
فأجاب الشيخ تقي الدين ما صورته : الحمد لله رب العالمين الذي يجب على
الإنسان اعتقاده في ذلك وغيره ما دل عليه كتاب الله وسنة رسوله واتفق عليه سلف
المؤمنين الذين أثنى الله على من اتبعهم وذم من اتبع غير سبيلهم وهو أن القرآن الذي
أنزله الله على محمد عبده ورسوله كلام الله وأنه منزل غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود
وأنه قرآن كريم في كتاب مكنون لا يمسه إلا المطهرون وأنه قرآن مجيد في لوح
محفوظ وأنه في أم الكتاب لدى الله تعالى حفيظ وأنه في الصدور كما قال النبي [ ]
" استذكروا القرآن فهو أشد تفلتا من صدور الرجال من النعم من عقلها " وقال :
" الجوف الذي ليس فيه شيء من القرآن كالبيت الخرب " أن ما بين لوحي المصحف
الذي كتبه الصحابة كلام الله كما قال النبي [ ] : " لا تسافروا بالقرآن إلى أرض العدو
مخافة أن تناله أيديهم " فهذه الجملة تكفي المسلم في هذا الباب وما تفصيل ما وقع
في ذلك من النزاع فكثير منه يكون كلام الإطلاقين خطأ ويكون الحق في التفصيل
ومنه ما يكون مع كل من المتنازعين نوع من الحق ويكون كل منهما حق صاحبه وهذا
من التفرق والاختلاف الذي ذمه الله ونهى عنه فقال : ) وإن الذين اختلفوا في الكتاب لفي
شقاق بعيد ( [ البقرة : الآية 176 ] ، قال : ) ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما
جاءهم البينات ( [ آل عمران : الآية 105 ] ، وقال : ) واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا (
[ آل عمران : الآية 103 ] ، وقال : ) وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم
البينات بغيا بينهم ( [ البقرة : الآية 213 ] فالواجب على المسلم أن يلزم سنة رسول
الله [ ] وسنة خلفائه الراشدين والسابقين من الأولين من المهاجرين والأنصار والذين
اتبعوهم بإحسان . وما تنازعت فيه الأمة وتفرقت فيه إن أمكنه أن يفصل النزاع بالعلم
والعدل وإلا استمسك بالجمل الثابتة بالنص والإجماع وأعرض عن الذين فرقوا دينهم