كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 32)

"""""" صفحة رقم 73 """"""
وكانوا شيعا فإن مواقع التفرق والاختلاف عامتها تصدر عن اتباع الظن وما تهوى
الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى ، وقد بسطت القول من جنس هذه المسائل ببيان
ما كان عليه سلف الأمة الذي اتفق عليه العقل والسمع وبيان ما يدخل في هذا الباب
من الاشتراك والاشتباه والغلط في مواضع متعددة ولكن نذكر هنا جملة مختصرة
بحسب حال السائل ، والواجب أمر العامة بالحمل على الثابت بالنص والإجماع
ومنعهم من الخوض في التفصيل الذي يوقع بينهم الفرقة والاختلاف فإن الفرقة
والاختلاف من أعظم ما نهى الله عنه ورسوله ، والتفصيل المختصر فنقول : من اعتقد
أن المداد الذي في المصحف وأصوات العباد قديمة أزلية فهذا ضال مخطئ مخالف
للكتاب والسنة وإجماع السابقين الأولين وسائر علماء المسلمين ولم يقل أحد قط من
علماء المسلمين إن ذلك قديم لا من أصحاب الإمام أحمد ولا من غيرهم ومن نقل
قدم ذلك عن أحد من علماء أصحاب الإمام أحمد ونحوهم فهو مخطئ في هذا
النقل أو متعمد الكذب بل المنصوص عن الإمام أحمد وعامة أئمة أصحابه تبديع من
قال لفظي بالقرآن غير مخلوق كما جهموا من قال اللفظ بالقرآن مخلوق ، وقد صنف
أبو بكر المروزي أخص أصحاب الإمام أحمد به في ذلك رسالة كبيرة مبسوطة ،
ونقلها عنه أبو بكر الخلال في كتاب السنة الذي جمع فيه كلام الإمام أحمد وغيره من
السنة في أبواب الإعتقاد وكان بعض أهل الحديث إذ ذاك أطلق القول بأن لفظي
بالقرآن غير مخلوق فبلغ ذلك الإمام أحمد فأنكر ذلك إنكارا شديدا وبدع من قال
ذلك وأخبر أن أحدا من العلماء لم يقل ذلك فكيف من يزعم أن صوت العبد قديم
وأقبح من ذلك من يحكي عن بعض العلماء أن المداد الذي في المصحف قديم ،
وجميع أئمة أصحاب الإمام أحمد وغيره أنكروا ذلك ، وما علمت أن عالما نقل ذلك
إلا ما بلغنا عن بعض الجهال من الأكراد ونحوهم وقد ميز الله تعالى في كتابه بين
الكلام والمداد ؛ فقال : ) قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات
ربي ولو جئنا بمثله مددا ( [ الكهف : الآية 109 ] فهذا خطأ من هذا الجانب ، وكذلك
من زعم أن القرآن محفوظ في الصدور ، كما أن الله معلوم بالقلوب ، وأنه متلو
بالألسن ، كما أن الله مذكور بالألسن ، وأنه مكتوب في المصحف ، كما أن الله مكتوب
في المصحف ، وجعل ثبوت القرآن في الصدور والألسنة والمصاحف مثل ثبوت ذات
الله في هذه المواضع ، فهذا أيضا مخطئ في ذلك ، فإن الفرق بين ثبوت الأعيان في
المصحف وبين ثبوت الكلام فيها بيّن واضح ، فإن الأعيان لها أربع مراتب : مرتبة في
الأعيان ، ومرتبة في الأذهان ، ومرتبة في اللسان ، ومرتبة في البيان ، فالعلم يطابق

الصفحة 73