كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 32)

"""""" صفحة رقم 74 """"""
العين ، واللفظ يطابق العلم ، والخط يطابق اللفظ ، فإذا قيل : إن العين في الكتاب كما
في قوله : ) وكل شيء فعلوه في الزبر ( [ القمر : الآية 52 ] فقد علم أن الذي في
الزبر إنما هو الخط المطابق للفظ المطابق للعلم فبين الأعيان وبين المصحف مرتبتان
وهي اللفظ والخط وأما الكلام نفسه فليس بينه وبين الصحيفة مرتبة غيرهما بل نفس
الكلام يجعل في الكتاب ، وإن كان بين الحرف الملفوظ والحرف المكتوب فرق من
غير وجه آخر إلا إذا أريد أن الذي في المصحف هو ذكره والخبر عنه ، مثل قوله
تعالى : ) وإنه لتنزيل رب العالمين ، نزل به الروح الأمين ( ، إلى قوله : ) وإنه لفي زبر
الأولين ، أو لم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل ( [ الشعراء : الآيات 192 -
197 ] فالذي في زبر الأولين ليس هو نفس القرآن المنزل على محمد . إن هذا
القرآن لم ينزل على أحد قبله ولكن في زبر الأولين صح ذكر القرآن وخبره ، كما
فيها ذكر محمد وخبره ، كما أن أفعال العباد في الزبر كما قال : ) وكل شيء فعلوه
في الزبر ( [ القمر : الآية 52 ] فيجب الفرق بين كون هذه الأشياء في الزبر وبين
كون الكلام نفسه في الزبر ، كما قال : ) إنه لقرآن كريم ، في كتاب مكنون (
[ الواقعة : الآيتان 77 ، 78 ] ، وقال : ) يتلوا صحفا مطهرة ، فيها كتب قيمة (
[ البينة : الآيتان ، 2 ، 3 ] فمن قال : إن المداد قديم فقد أخطأ ، ومن قال : ليس في
المصحف كلام الله وإنما فيه المداد الذي هو عبارة عن كلام الله فقد أخطأ ، بل
القرآن في المصحف ، كما أن سائر الكلام في الأوراق كما عليه الأمة مجتمعة ،
وكما هو في نظر المسلمين ، فإن كل مرتبة لها حكم يخصها ، وليس وجود الكلام
من الكتاب لوجود الصفة بالموصوف ، مثل العلم والحياة بمحلها حتى يقال : إن
صفة الله حلت بغيره أو فارقته ، ولا وجوده فيه كالدليل المحض ، مثل وجود العالم
الدال على الباري تعالى ، حتى يقال : ليس فيه إلا ما هو علامة على كلام الله ، بل
هو قسم آخر ومن لم يعط كل مرتبة فيما يستعمل فيها أداء الطرق حقها فيفرق بين
وجود الجسم في الحيز وفي المكان ، ووجود العرض بالجسم ، والصورة بالمرآة
ويفرق بين رؤية الشيء بالعين يقظة ورؤيته بالقلب يقظة ومناما ، ونحو ذلك ، وإلا
اضطرب عليه الأمر ولذلك سؤال السائل عما في المصحف ، هل هم حادث أو
قديم ، سؤال مجمل . فإن لفظ القديم أولا مأثور عن السلف ليس وأما الذي اتفقوا
عليه أن القرآن كلام الله غير مخلوق ، وهو كلام الله حيث تلي وحيث كتب وهو قرآن
واحد وكلام وإن تنوعت الصور التي يتلى بها ، وتكتب من أصوات العباد ومدادهم ،
فإن الكلام كلام من قاله مبتدئا ، لا كلام من بلغه مؤديا ، فإذا سمعنا محدثا يحدث

الصفحة 74