كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 32)

"""""" صفحة رقم 75 """"""
يقول النبي [ ] : " إنما الأعمال بالنيات " قلنا هذا كلام رسول الله لفظه ومعانيه ، مع أن
علمنا أن الصوت صوت المبلغ لا صوت رسول الله وهكذا كل من بلغ كلام غيره من
نظم ونثر ونحن إذا قلنا هذا كلام الله لما نسمعه من القارئ من قرأه في المصحف
فالإشارة إلى الكلام من حيث هو هو مع قطع النظر عما اقترن به البلاغ من صوت
المبلغ ومداد الكاتب ، فمن قال : صوت القارئ ومداد الكاتب كلام الله الذي ليس
بمخلوق فقد أخطأ ، وهذا الفرق الذي بينه الإمام أحمد لمن سأله وقد قرأ ) قل هو
الله أحد ( [ الإخلاص : الآية 1 ] فقال : هذا كلام الله غير مخلوق ؟ فقال : نعم
فنقل السائل عنه أنه قال : لفظي بالقرآن غير مخلوق قد عابه أحمد وزبره زبرا شديدا
وطلب عقوبته وتعذيره وقال : أنا قلت لك لفظي بالقرآن غير مخلوق ؟ فقال : لا ولكن
قلت لي لما قرأت ) قل هو الله أحد ( هذا كلام الله غير مخلوق ، فقال : فلم
تنقل عني ما لم أقله بين الإمام أحمد أن القائل إذا قال لما يسمعه من المبلغين
والمؤذنين هذا كلام الله ، فالإشارة إلى الحقيقة التي تكلم بها الله وإن كنا إنما سمعناها
ببلاغ المبلغ وحركته وصوته فإذا أشار إلى شيء من صفات المخلوق لفظه أو صوته
أو فعله وقال هذا غير مخلوق فقد ضل وأخطأ ، فالواجب أن يقال : القرآن كلام الله
غير مخلوق ، والقرآن في المصاحف كما أن سائر الكلام في المصحف ولا يقال إن
شيئا من المداد والورق غير مخلوق ، بل كل ورق ومداد في العالم فهو مخلوق ،
ويقال أيضا : القرآن الذي في المصحف كلام الله غير مخلوق والقرآن الذي يقرؤه
المسلمون كلام الله غير مخلوق .
وتبيين هذا الجواب عن المسألة الثانية وهو قوله : أن كلام الله هل هو بحرف
وصوت أم لا فإن إطلاق الجواب في هذه المسألة نفيا وإثباتا خطأ ، وهي من البدع
المولدة الحادثة بعد المائة الثالثة لما قال قوم من متكلمة الصفاتية : إن كلام الله الذي
أنزله على أنبيائه كالتوراة ، والإنجيل والقرآن ، والذي لم ينزله ، والكلمات التي كون
بها الكائنات والكلمات المشتملة على أمره ، ونهيه وخبره ليس إلا مجرد معنى واحد
هو صفة واحدة قامت بالله إن عبر عنها بالعبرية كانت التوراة ، وإن عبر عنها بالعربية
كانت القرآن ، وأن الأمر ، والنهي والخبر صفات لها لا أقسام لها وأن حروف القرآن
مخلوقة خلقها الله تعالى ولم يتكلم بها وليست كلامه ؛ إذ كلامه لا يكون بحرف
وصوت عارضهم آخرون من المثبتة فقالوا : بل القرآن هو الحروف والأصوات وتوهم
قوم أنهم يعنون بالحروف المداد وبالأصوات أصوات العباد وهذا لم يقله عالم ،
والصواب الذي عليه سلف الأمة كالإمام أحمد والبخاري صاحب الصحيح في كتاب

الصفحة 75