كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 32)

"""""" صفحة رقم 76 """"""
خلق أفعال العباد وغيره وسائر الأئمة قبلهم وبعدهم اتباع النصوص الثابتة وإجماع
سلف الأمة وهو أن القرآن جميعه كلام الله تعالى : حروفه ومعانيه ليس شيئا من ذلك
كلاما لغيره ولكن أنزله على رسله وليس القرآن اسما لمجرد المعنى ولا لمجد الحرف
بل لمجموعهما وكذلك سائر الكلام ليس هو الحروف فقط ولا المعاني فقط بل
مجموعهما كما أن الإنسان المتكلم الناطق ليس هو مجرد الروح ولا مجرد الجسد بل
مجموعهما وأن الله تعالى يتكلم بصوت كما جاءت به الأحاديث الصحاح ، وليس
ذلك هو أصوات العباد ، لا صوت القاريء ولا غيره فإن الله ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ، ولا في أفعاله ، وكما لا يشبه علمه وقدرته وحياته علم المخلوق
وقدرته وحياته فكذلك لا يشبه كلامه كلام المخلوق ولا معانيه تشبه معانيه ولا
حروفه تشبه حروفه ، ولا صوت الرب يشبه صوت العبد فمن شبه الله بخلقه فقد
ألحد في أسمائه وآياته ، ومن جحد ما وصف به نفسه فقد ألحد في أسمائه وآياته
وقد بينت في الجواب المبسوط مراتب مذاهب أهل الأرض في ذلك وأن المتفلسفة
تزعم أن كلام الله ليس له وجود إلا في نفس الأنبياء تفيض عليهم المعاني من
العقل الفعال فتصير في نفوسهم حروفا كما أن ملائكة الله عندهم ما يحدث في
نفوس الأنبياء من الصور النورانية ، وهذا من جنس قول فيلسوف قريش الوليد بن
المغيرة ) إن هذا إلا قول البشر ( [ المدثر : الآية 25 ] فحقيقة قولهم إن القرآن
تصنيف الرسول لكنه كلام شريف صادر عن نفس صافية ، وهؤلاء هم الصابئة
فنفرت منهم الجهمية فقالوا إن الله لم يتكلم ولا يتكلم ولا قام به كلام وإنما
كلامه ما يخلقه من الهواء أو غيره فأخذ بعض ذلك قوم من متكلمة الصفات

الصفحة 76